بين "شورت" التسعينيات وبوستر القومية: سمير شحاته يكتب عن حسين فهمي والهويس والبلطجى الأسمر
كافيين آرت نيوز

سمير
شحاته
كاتب وناقد سينمائى- مصر
جانب
من جاذبية الفنان حسين فهمي أنه يعيش في حالة من البهجة المستمرة، بطاقة إيجابية
وابتسامة دائمة تشعرك بمدى إقباله على الحياة، وكأنه يعتنق مذهبًا يقول: "اشتغل
بجدية.. وعِش حياتك"
لذا،
لم يكن مستغربًا ظهوره بـ"شورت" أخضر في ندوة الفنانة منى زكي بمهرجان
الجونة، فالأجواء والمكان يسمحان بذلك، مع النسيم العليل والبحر ووجوه الفنانات
الجميلات اللاتي لفحت أشعة الشمس بشرتهن باللون البرونزي. لكن هذا شيء، و"شورت"
حسين فهمي في التسعينيات، والضجة التي أحدثها وقتها، شيء آخر تمامًا!
لا
أتذكر لون الشورت بدقة، لكنني أتذكر المشهد جيدًا. كانت الوقائع في اليوم الثاني
لمهرجان الإسكندرية السينمائي، حيث كنا نقيم في فندق "شيراتون المنتزه"
اعتاد
وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني أن يلتقي صباح اليوم التالي للافتتاح بالصحفيين
والنقاد والفنانين، في إحدى قاعات الفندق المغلقة، لمناقشة قضايا السينما، كان
الوزير متأنقًا كعادته بالبدلة والكرافتة، وكذلك رجال وزارة الثقافة، فيما تنوعت
ملابس الحضور بين الرسمي والكاجوال، وكان الجميع متحفزًا بأسئلة جادة حول القضية
المزمنة "أزمة السينما".
طلب
حسين فهمي الكلمة، ووقف أمام الوزير ممسكًا بالميكروفون، ليفاجئنا جميعًا بالشورت
الذي يرتديه!

دار
همس لطيف في القاعة، واستعاد بعضنا مشهد عادل إمام الشهير في فيلم "البحث عن
فضيحة" أما أنا، فتعلقت عيناي بملامح الوزير، فقد كان المشهد غريبًا للغاية
في ذلك الوقت.. فنان يخاطب وزير الثقافة بالشورت!
حتى
إن معظم التغطيات الصحفية في اليوم التالي، مصحوبة بصورة حسين فهمي بالشورت وهو
يخاطب الوزير الأنيق، طغت على الموضوع الأساسي للمؤتمر، وكعادة فاروق حسني، أكمل
المؤتمر بهدوء ثم غادر، ولم نشهد بعد ذلك مؤتمرًا مماثلًا للوزير في مهرجان
الإسكندرية.
جميل
أن يكون حسين فهمي على طبيعته، بلا تكلف.. لكن عليه أيضًا أن يفرّق بين حسين فهمي
في "خلي بالك من زوزو"، وحسين فهمي في "موعد على العشاء"!
على
جانب آخر، توقفت أمام ما صرّح به حسين فهمي بشأن تفسيره لبوستر مهرجان القاهرة
السينمائي، إذ ذكر أن تصميمه مستوحى من شخصية "فؤادة" في فيلم "شيء
من الخوف"، للدلالة على أن "المية مش هتتقفل"
ووفقًا
لهذا، فإن فؤادة، الفلاحة المصرية، هي التي فتحت الهويس لتتدفق مياه النيل وتروي
الأرض بعدما أُغلق، في إشارة إلى وجود من يحاول إغلاق الهويس في وجه المصريين!
لكن
هذا التفسير، في رأيي، يحمّل الفيلم دلالة مختلفة عن جوهر حكايته، فليس هذا ما
استقر في أذهان صناع الفيلم أو النقاد أو الجمهور عندما شاهدوا العمل، الذي عُرض
في أجواء سياسية شديدة الحساسية، بعد نكسة يونيو1967.
نعم،
فؤادة هي الفلاحة المصرية الجريئة، لكنها لم تفتح الهويس لمجرد استعادة تدفق
المياه، بل تحدّت القهر والظلم والبطش والاستبداد الداخلي. فديكتاتور القرية،
عتريس، لم يكن وافدًا من الخارج، وإنما كان واحدًا من أبنائها، ومع ذلك حرم أهلها
من الماء، أو بالأحرى حرمهم من الحياة حين أغلق الهويس.
ومن
هنا جاءت قوة الحكاية: سلطة محلية تستبد بأهلها، وقرية ترفض الخضوع، وامرأة تقف في
مواجهة الطغيان.
وقد
رأت الرقابة والأجهزة الأمنية آنذاك في سلطة عتريس إسقاطًا على السلطة السياسية
التي تزرع الخوف، وذهب التأويل إلى اعتبار عتريس رمزًا للحاكم، جمال عبد الناصر،
بما يمثله من سلطة مطلقة. ولهذا اكتسب الفيلم حساسية سياسية استثنائية، حتى إن
عرضه ارتبط بموقف عبد الناصر نفسه، الذي أجاز عرض العمل، وفق الرواية التاريخية
المتداولة عن هذه الواقعة.
أما
هتاف أهل القرية بمشاعلهم الغاضبة "جواز عتريس من فؤادة باطل"، فقد
تجاوز حدود رفض زواج بالإكراه، ليصبح إعلانًا للرفض الشعبي في مواجهة الاستبداد.
والحقيقة
أنني، قبل أن نتوه في تفاصيل البوستر وتفسيراته، اعتبرت اختيار هذه الصورة بما
تحمله من دلالات ثورية جرأة غير عادية من إدارة المهرجان.
لكنني
كنت أفضّل أن تكون اللقطة كاملة "شادية ويدها على الهويس"، والماء
يتدفق، وأهل القرية ــ أهل مصر ــ يهللون للحياة التي عادت إليهم.
أما
ذلك "البلطجي الأسمر" الذي يضع يده على حنفية المياه، مهددًا حياة
المصريين ووجودهم.. فذاك أمر آخر، يتطلب "أفيشًا" مختلفًا!