عندما استعان الأمريكيون بالعرب (1861-1865): قصة “فيلق الإبل” من التاريخ إلى الرواية

محمد الشقاع
عندما استعان الأمريكيون بالعرب (1861-1865): قصة “فيلق الإبل” من التاريخ إلى الرواية


● محمد الشقاع*

في خضم الحرب الأهلية الأمريكية (1861-1865)، اتخذ الجيش الاتحادي (الشمالي) قرارًا لوجستيًا فريدًا من نوعه، إذ استعان بحوالي 800 جمل في عمليات نقل المؤن والعتاد عبر المناطق الوعرة. هذا المشروع الطموح، الذي عُرف بـ”فيلق الإبل” (US Camel Corps)، دفع الجيش إلى الاستعانة بخبراء ملمين بهذه الحيوانات، فجاء الحل بالتعاقد مع 18 من الجمّالة النجديين، المعروفين بـ”العقيلات”، بقيادة العقيلي علي بن سالم.


مثّل وجود هذا الفيلق نقطة تحوّل حاسمة في إمداد الجيش الاتحادي بالمؤن والعتاد في أحلك مراحل الحرب. فقد اتبعت القيادة آلية دقيقة ومذهلة؛ إذ كانت تخرج يوميًا فرقة من 200 جمل محمّل، تتحرك مباشرة إلى الجبهة، وتفرغ حمولتها، ثم تعود من دون راحة. استمر هذا الأداء الاستثنائي خمسة أشهر متتالية، من فبراير حتى نهاية يونيو 1863، عبر أربع مجموعات تتحرك باستمرار بين مواقع التموين وخطوط القتال، ضمن منظومة لوجستية محكمة قلّ نظيرها في التاريخ العسكري.

حققت هذه القوافل الجملية نتائج مبهرة، إذ نُقلت مئات الأطنان من المؤن والذخيرة إلى قلب المعركة، في وقت عجزت فيه وسائل النقل التقليدية عن تلبية احتياجات الجيش المتزايدة. وأسهمت هذه الجهود في تحقيق الانتصار في معركة جيتيسبيرغ بولاية بنسلفانيا، المعركة التي شكّلت نقطة التحوّل الكبرى في الحرب الأهلية الأمريكية. وبعد هذا النصر، وجّه الجنرال هايلسوب، أحد قادة الجيش الاتحادي، الشكر والتقدير إلى أفراد الفيلق، مثنيًا على جهودهم وتضحياتهم الاستثنائية.

تستند رواية “فيلق الإبل” للكاتب أحمد السماري إلى هذه الحادثة التاريخية الفريدة، ثم تبني حولها حكايات إنسانية لرجال الصحراء الذين تحولت الإبل في حياتهم من رمز للشرف في البادية إلى جسر عبور نحو عالم بعيد لم يتخيلوه.

تبدأ القصة مع “مناور”، الذي اضطر إلى مغادرة قبيلته بعد شجار عند البئر انتهى بسفك الدم، وكان عليه جمع مئة رأس من الإبل ديةً لينجو من القصاص. وفي رحلته الطويلة، ينتقل القارئ معه من بريدة إلى العراق والأردن وفلسطين والإسكندرية، ثم عبر برشلونة والمحيط الأطلسي إلى أمريكا، حيث يعيد اكتشاف عادات العرب الأصيلة وخصال أهل الصحراء، من خلال لغة سلسة ووصف بديع للبيئة الصحراوية بمفردات أهل البادية.

تكمن قوة أحمد السماري في قدرته على أخذ القارئ في رحلة تمتد من بريدة في نجد حتى الأراضي الأمريكية البعيدة، مستعيدًا عادات العرب وخصال أهل الصحراء من كرم وشجاعة ووفاء وقسوة، والاحتكام إلى العرف القبلي، إلى جانب قيم كادت تتوارى مع الزمن. وتنتهي الرحلة بوفاة علي بن سالم ومناور في أمريكا، بينما يعود بقية الجمّالة إلى نجد حاملين معهم ذكرى استثنائية جمعت بين الصحراء العربية وأحداث الحرب الأهلية الأمريكية.

يمتاز النص بمقاطع مشهدية نابضة، تقدم شخصيات تتقاطع مصائرها مع التاريخ الكبير، حيث يجد الرجال أنفسهم في مواجهة الحروب والتهجير والرحلات التجارية والصداقات المتينة. كما تقدم الرواية صورة واسعة عن عالم البدو والعقيلات، وهم التجار النجديون الذين جابوا البلدان بالإبل والتجارة، وتُظهر كيف كانت الإبل محور الحياة في الصحراء؛ منها يبدأ الطريق، وبسببها تشتعل الخصومات، وعبرها تتغير مصائر الرجال. وإلى جانب ذلك، تمتاز الرواية بتمازج الوثيقة التاريخية بالخيال الروائي، مع توظيف الشعر النبطي والأمثال والحِكم بوصفها صوتًا للمكان وذاكرةً للصحراء.

ولعل أجمل ما في الرواية لغتها السلسة ووصفها الآسر للصحراء، وهو وصف يذكّر بأجواء “مدن الملح”. فقد استطاع أحمد السماري أن يرسم الصحراء بألوان جديدة مستخدمًا مفردات البادية بعناية، حتى تحولت الصحراء من خلفية جامدة للأحداث إلى كائن حي يتنفس، يهمس برماله، ويجعل القارئ يشعر أنه عاش تلك الحياة يومًا ما.

تظل قصة “فيلق الإبل” شاهدة على لحظة نادرة التقت فيها الصحراء العربية بساحات القتال الأمريكية، وتحولت فيها الإبل من رمز للبداوة إلى عنصر لوجستي مؤثر أسهم في حسم معركة مصيرية وفي الحفاظ على اتحاد أمريكا. ومن خلال رواية أحمد السماري، نعيش هذه الرحلة بكل تفاصيلها؛ من شجارات الآبار في نجد إلى جبال بنسلفانيا وفرجينيا وأريزونا، ومن رمال الصحراء العربية إلى ساحات الحرب الأهلية الأمريكية. إنها رواية تستعيد معنى التعاون الإنساني العابر للحدود، وتذكّر بأن البطولات الكبرى كثيرًا ما تولد من قلب الحاجة والتعاون.

● مثقف يمني (مقيم في لندن)