مقبرة العظماء للروائي مقبل الميلع .. تشريح التاريخ في مرايا الموت

أحمد عساف
مقبرة العظماء للروائي مقبل الميلع  .. تشريح التاريخ في مرايا الموت



تُقرأ رواية «مقبرة العظماء» للروائي مقبل الميلع، الصادرة عن دار العرّاب في دمشق، بوصفها تجربةً روائية تدعو إلى محاكمة التاريخ وصُنّاعه، وإلى مساءلة الإنسان وهو يتأمل ماضيه وحاضره. يجعل الكاتب من الموت بدايةً صاخبة للمساءلة، ويحوّل المقبرة إلى منبر تتقاطع فوقه الخطابات والرؤى، حيث تلتقي شخصيات فرّقتها الحياة، فتتحاور في فضاءٍ تتجاور فيه السخرية المريرة، والتأمل الفلسفي، والأسئلة الكبرى التي لم تجد جوابها في عالم الأحياء.

ينطلق مقبل الميلع في بناء عالمه الروائي من مفارقةٍ تأسيسية تتصل بالمكان؛ فالمقبرة تتجاوز حدود الموقع الجغرافي لتغدو استعارةً كبرى للتاريخ الإنساني كله، ذلك التاريخ الذي يظل، مهما اتسع وتمدّد، محصورًا في وعاء الموت، حيث تتساوى الأضداد وتذوب الفوارق بين المنتصرين والمهزومين. وعلى الرغم من أن المقبرة توصف بأنها مكان ضيق، فإنها في الفضاء السردي تتمدّد حتى تستوعب العالم بأسره، وكأن جدرانها الخرسانية تتحول إلى جدران للذاكرة الإنسانية. ومن خلال هذا الفضاء ينهض المكان بوظيفة «الميتا-رواية»، فيغدو حكايةً تكشف تناقضاتها بنفسها، وتجمع في أحشائها ألدّ الخصوم الذين فرّقتهم الحياة ووحّدهم الموت، كما يوحّد التاريخ خصومه بين دفتي كتاب واحد. ومن هنا يكتسب المكان بعده الملحمي، ويغدو المسرح الذي يلتقي فيه الضمير الإنساني بكل مآسيه وأسئلته.


وتأتي الشخصيات لتشكّل المفاجأة الأبرز في الرواية؛ إذ لا يعرض الكاتب شخصيات تاريخية جامدة، وإنما يبعث فيها الحياة من جديد، فتستعيد وعيها، وتقف أمام نفسها في مرآة الموت التي لا تعرف المجاملة. وخلال هذه المحاورات يخيل إلى القارئ أنه يجالس تلك الشخصيات بما تحمله من أفكار وتناقضات وسلوك معهود، حتى تبدو أكثر حضورًا مما هي عليه في كتب التاريخ. ويُعدّ هذا الامتزاج بين الحياة والموت أحد أجمل تجليات السريالية الروائية، إذ يخلق عالمًا موازيًا تتجاوز فيه الشخصيات صورتها التقليدية لتصبح أكثر إنسانية وأكثر قدرة على الاعتراف.

غير أن العمق الحقيقي للرواية يتجلّى في طبيعة المحاكمة نفسها؛ فهي ليست محاكمة قانونية تبحث عن الإدانة أو البراءة، وإنما مراجعة وجودية يعيد فيها كل عظيم النظر في تاريخه، ويرى صورته منعكسة في عيون الآخرين. كما تُحاكم الأفكار التي صنعت القرارات قبل أن تُحاكم الشخصيات التي نفذتها. إنها سلسلة من المكاشفات والمراجعات الذاتية، يحاسب فيها العظماء أنفسهم كما يحاسب بعضهم بعضًا على الهفوات التي أسهمت في تشكيل مجرى التاريخ. وتزداد هذه المحاكمة عمقًا لأنها تجري بعد الموت، في زمن فقدت فيه الشخصيات قدرتها على تغيير ما حدث، ولم يبقَ أمامها سوى الاعتراف.

ولا يكتمل تأويل الرواية من دون التوقف عند ثالوثها الرمزي الذي يشكّل عمودها الفقري. فالجمجمة المتحركة تتحول إلى تجسيد رمزي للآلة العسكرية ومؤسسة العنف المنظم؛ تتحرك، وتنطق، وتحمل خطابها، فتغدو رمزًا للقوة التي تتوهم امتلاك الحقيقة، فيما لا تحمل في جوفها سوى فراغ الأيديولوجيات المتصارعة. أما المسمار الكامن في أعماقها، فهو الأثر الذي لا يستطيع التاريخ إخفاءه مهما حاول تلميع صورته، إذ يبقى شاهدًا ماديًا على الجريمة.

ويقابل الجمجمة الفأر، رمز الطبقة الفقيرة المسحوقة والضمير الإنساني المختبئ في زوايا التاريخ. وبينما يتباهى العظماء بصخبهم، يظل هذا الكائن الصغير حاضرًا في كل مكان، شاهدًا على أن التاريخ شُيّد فوق أجساد البسطاء الذين لم يجدوا مكانًا في كتب المجد، وإنما حضروا أرقامًا في سجلات الضحايا. ومن خلال هذا الرمز يذكّر الكاتب العظماء بأن أمجادهم لم تولد في الفراغ، وإنما قامت على تضحيات أولئك الذين ظلوا خارج دائرة الضوء.

ويقف حفّار القبور، ذيب المرزوقي، على الضفة الأخرى من هذا الثالوث الرمزي؛ فهو الشخصية الحية الوحيدة في هذا العالم الميت، يتنقل بين القبور والأصوات والحوارات، ويهيئ المكان لاستقبال الطغاة والضحايا على السواء. ويغدو حضوره امتدادًا لدورة التاريخ التي لا تتوقف؛ يحفر قبور العظماء، ثم يهيئها لمن يأتي بعدهم، حتى يبدو شاهدًا أبديًا على زوال السلطة وتقلب المصائر. إنه لا يصنع التاريخ، لكنه يوارِي صانعيه التراب، ولذلك يمتلك رؤيةً أكثر صفاءً من كثير ممن صنعوا مجده الظاهري.

وهنا تؤدي السريالية دورًا معرفيًا يتجاوز بعدها الجمالي؛ فهي تمنح الخيال شرعيته، وتحرر السرد من أسر الواقعة التاريخية، لتقوده إلى حقيقة تتجاوز ظاهر الأحداث. ولولا هذا الخيار الفني لما أمكن جمع شخصيات مثل هتلر وغاندي وستالين وتشرشل في فضاء واحد، وإقامة حوار بينهم يحافظ على صدقيته الفنية، ويبتعد عن السذاجة أو المصادرة.

وإذا كان مقبل الميلع قد صرّح بأن الدافع إلى كتابة هذا العمل هو «توضيح الصورة الحقيقية للوطن أمام الغرب»، فإن هذه العبارة تكتسب داخل الرواية دلالات أعمق؛ فالوطن هنا يتجاوز حدوده الجغرافية، ليغدو ذاكرةً وهويةً وحقًا في كتابة التاريخ، بعيدًا عن الروايات التي يفرضها المنتصرون.

وفي النهاية يطرح العمل سؤالًا وجوديًا بالغ الإزعاج: ماذا لو غاب الموت عن العالم؟ سؤال يجعل الموت شرطًا أصيلًا للحياة، وعاملًا في تشكّل التاريخ، ودافعًا إلى مراجعة الإنسان لمسيرته. ولولا الموت لما عرف الإنسان قيمة الحياة، ولما أمكن للتاريخ أن يكتمل، ولما تحولت «مقبرة العظماء» إلى هذا المسرح الرحب للمحاكمة الأخيرة.

وحين يغدو صوت المقهورين، ممثلًا في الفأر الصغير وحفّار القبور الصامت، أكثر الأصوات صدقًا في بهو الزمن، يدرك القارئ أن الرواية لا تقدم أجوبة جاهزة، وإنما تفتح أبواب الأسئلة الكبرى، وتضعه أمام مرآة التاريخ؛ يحاكمها وتحاكمه في آنٍ واحد. ولعل الدرس الذي يبقى بعد إغلاق الصفحة الأخيرة هو أن لا عظمة تستحق اسمها من دون مساءلة، ولا تاريخ يستقيم من دون ضمير.

كاتب وتشكيلي سوري