الملتقيات الأدبية.. حين تتحول الفعالية إلى أثر ثقافي

عفاف احمد
الملتقيات الأدبية.. حين تتحول الفعالية إلى أثر ثقافي



في ظل الحراك الثقافي المتسارع الذي تشهده المملكة العربية السعودية، وما يحظى به من دعم ورعاية وتنظيم في إطار رؤية السعودية 2030، تتنوع الأنشطة الثقافية بين الأمسيات والندوات والمبادرات والورش والمؤتمرات والملتقيات، وتلتقي جميعها عند غاية أساسية تتمثل في تنمية الوعي، وتوسيع دوائر المعرفة، وتعزيز حضور الثقافة في المجتمع.

غير أن الملتقيات الأدبية تبدو من بين هذه الأشكال أكثر قدرة على صناعة أثر يتجاوز زمن انعقادها؛ فبعض الفعاليات ينتهي بانتهاء أمسيتها، فيما يبدأ الأثر الحقيقي للملتقى قبل موعده، ويتواصل أثناء انعقاده، وقد يمتد طويلًا بعد اختتامه بما يثيره من أسئلة، وما يؤسس له من علاقات، وما يفتحه من آفاق ومشروعات ثقافية جديدة.

فالملتقى يبدأ منذ لحظة اختيار فكرته وموضوعه، ثم بناء محاوره، وانتقاء المشاركين فيه، وتشكيل لجانه، وإعداد برنامجه العلمي والثقافي والإعلامي. وهذه الاستعدادات في ذاتها عملية ثقافية متكاملة، تستدعي التفكير والبحث والمراجعة، وتضع الجهة المنظمة أمام مسؤولية تقديم محتوى قادر على إضافة شيء جديد إلى المشهد.



وحين تبدأ جلسات الملتقى، تنتقل الفكرة من التخطيط إلى فضاء الحوار؛ فتتقاطع رؤى الباحث والناقد والمبدع، وتُطرح الأسئلة، وتختلف القراءات، وتتاح للمشاركين مساحة أكثر مرونة في النقاش وتبادل الأفكار. ومن هنا يكتسب الملتقى إحدى أهم خصائصه: قدرته على تحويل المعرفة من خطاب أحادي إلى حوار مفتوح، ومن فكرة مكتوبة في ورقة إلى قضية قابلة للنقاش وإعادة النظر.

ولا يعني ذلك التقليل من أهمية الأشكال الثقافية الأخرى؛ فلكل فعالية دورها وطبيعتها وجمهورها، وإنما يتميز الملتقى بقدرته على جمع أكثر من صيغة ثقافية في مكان واحد؛ إذ يمكن أن تجتمع فيه الندوة والورشة والشهادة الإبداعية والقراءة النقدية والحوار والتكريم، لتتكون من مجموعها حالة ثقافية أوسع من حدود كل نشاط منفرد.

ومن العناصر المهمة في تجويد الفاعلية الثقافية أيضًا أن الملتقى يمنح الجهة المنظمة مظلة أرحب للتعريف بمشروعها ومنجزها ورسالتها. فالمنظمة الثقافية تجتهد عادةً في الوصول إلى الجمهور المهتم بنشاطها، بينما يستطيع الملتقى أن يوسع دائرة هذا الجمهور، وأن يجمع تحت مظلته المتخصص والكاتب والناقد والقارئ والمهتم، وأن يفتح أبوابًا للتواصل لا تنتهي بانتهاء الجلسة الأخيرة.

وقد تكون مشاركة محدودة، أو لقاء بين كاتبين، أو فكرة تُطرح أثناء نقاش، أو حتى مادة إعلامية تسبق الملتقى، نواةً لمشروع ثقافي لاحق. وهنا تتجلى قيمة الملتقى بوصفه مساحة لصناعة العلاقات والأفكار إلى جانب صناعة المحتوى.

ولعل أجمل ما في هذه المظلة الثقافية أنها قابلة للبقاء في الذاكرة بمقدار ما يتركه الأدب نفسه في نفوس الحضور والمشاركين؛ فالملتقى الناجح لا نتذكره بعد سنوات بعدد جلساته أو أسماء ضيوفه فقط، وإنما بالسؤال الذي أثاره، والفكرة التي أضافها، واللقاء الذي صنعه، والنص الذي أعادنا إليه، أو الكاتب الذي جعلنا نكتشف تجربته من جديد.

ومن هنا تأتي أهمية التظاهرة الثقافية التي تصنعها الملتقيات حين تجمع أطيافًا مختلفة من المهتمين؛ من الأكاديميين والنقاد والمبدعين إلى القراء والمهتمين بالشأن الثقافي. وهذا التنوع يثري النقاش ويمنح الفعالية أبعادًا متعددة، فلا تبقى المعرفة حبيسة المتخصصين، ولا ينفصل الإبداع عن النقد، ولا يقف الجمهور خارج دائرة الحوار.

وانطلاقًا من الإيمان بعمق أثر السرد في تشكيل الوعي وحفظ ذاكرة الإنسان والمكان، اختارت جمعية آداب وفنون السرد «نالا» أن تجعل الملتقى الأدبي إحدى محطات مشروعها الثقافي، إلى جانب ما قدمته من أمسيات وندوات وشراكات مع جهات ثقافية مختلفة.

وتأتي الدورة الأولى من ملتقى نالا للسرد، التي تعقد في الرياض يومي 9 و10 سبتمبر 2026، لتضع القصة القصيرة في مركز الاهتمام، وتحمل اسم القاص الراحل محمد علوان؛ في استعادة لتجربة أحد الأسماء المهمة في مسيرة القصة السعودية، وربط لذاكرة هذا الفن بأسئلته وتحولاته المعاصرة.

ويكشف برنامج الملتقى عن محاولة لجمع مستويات متعددة من النظر إلى القصة؛ من القراءات النقدية في تجربة محمد علوان، إلى التحولات المجتمعية والثقافية في القصة القصيرة، وتسريد المدينة، والخصائص الفنية للقصة السعودية المعاصرة، والثيمات البارزة والمتكررة، إلى جانب شهادات وتجارب في كتابة القصة.

وهذا التنوع بين البحث والنقد والشهادة الإبداعية يضع المبدع والناقد والقارئ داخل مساحة واحدة، ويمنح القصة فرصة لأن تُقرأ من أكثر من زاوية؛ مرة بوصفها منجزًا فنيًا، ومرة بوصفها مرآة لتحولات المجتمع، ومرة باعتبارها تجربة شخصية يعيش الكاتب مخاضها قبل أن تصل إلى القارئ.

وقد سخّرت الجمعية لهذا الملتقى عددًا من اللجان التنظيمية والإعلامية، وسبق موعده حراك معرفي وإعلامي استعاد أسماء وتجارب ومحطات من تاريخ القصة السعودية، وعرّف بمحاور الملتقى وضيوفه وبرنامجه، بما جعل أيامه تبدأ ثقافيًا قبل موعد افتتاحه الرسمي.

وهذه في جوهرها إحدى خصائص الملتقى الناجح: ألا يبدأ عندما يجلس أول متحدث أمام الجمهور، وألا ينتهي عندما تغلق القاعة أبوابها في اليوم الأخير؛ وإنما تسبقه أسئلته وتمتد بعده نتائجه.

ولم يبق على ملتقى نالا للسرد سوى أيام قليلة، والأمل أن يحقق ما تسعى إليه الجمعية من إثراء المشهد السردي، وإعادة القصة القصيرة إلى مساحة أوسع من القراءة والنقد والحوار، وأن يكون بداية لمسار يتطور في دوراته المقبلة ويضيف في كل مرة سؤالًا جديدًا إلى أسئلة السرد السعودي.

فالملتقى الثقافي لا تُقاس قيمته بيومي انعقاده وحدهما، ولا بعدد الحضور أو الجلسات، وإنما بما يبدأ قبله من أسئلة، وما يحدث خلاله من حوار، وما يبقى بعده من معرفة وذاكرة وعلاقات ومشروعات جديدة.

وحين يتحقق ذلك، يتحول الملتقى من فعالية لها موعد بداية ونهاية، إلى أثر ثقافي ممتد.