لماذا نملُّ من قراءة بعض الروايات؟ بين إيقاع السرد… والسحر الحلال

أحمد السمارى
لماذا نملُّ من قراءة بعض الروايات؟  بين إيقاع السرد… والسحر الحلال


ليس كلُّ مللٍ يصيب القارئ سببه ضعف الفكرة، ولا فقر اللغة، ولا بطء الأحداث. فكثيرٌ من الروايات تبدأ بفكرةٍ مميزة، ولغةٍ متينة، ومع ذلك يعجز القارئ عن إكمالها، بينما توجد روايات أخرى تبدو فكرتها بسيطة، لكنها تأسرنا منذ الصفحة الأولى حتى الأخيرة.

وهنا يبرز السؤال الذي يطرحه كثير من القراء والكتّاب معًا: لماذا نملُّ من قراءة بعض الروايات؟

في تغريداتٍ لافتة للدكتور حسن النعمي بعنوان "إيقاع السرد ومتعة القراءة"، يقارب هذه الإشكالية من زاويةٍ فنية دقيقة، فيؤكد أن السرد الناجح لا يقوم على الحدث وحده، ولا على الوصف وحده، وإنما على العلاقة المتوازنة بينهما. فالإسراع المفرط يفقد النص عمقه، والإبطاء المفرط يقتل التشويق، أما متعة القراءة فتولد من الإيقاع؛ من معرفة الكاتب متى يقدّم الحدث، ومتى يمنح الوصف مساحته، وكيف ينتقل بالقارئ بين الحركة والسكون دون أن يفقد انتباهه.

إنها ملاحظة بالغة الأهمية؛ لأنها تضع يدها على أحد أهم أسرار الفن الروائي.

غير أن سؤالًا آخر يفرض نفسه: من الذي يصنع هذا الإيقاع؟

فالإيقاع ليس قاعدةً جامدة، أو معادلةً يمكن تعلّمها كما نتعلم قواعد النحو أو تقنيات الحبكة؛ لأنه في جوهره حسٌّ فني، وحدسٌ سردي، وقدرة على الإمساك بانتباه القارئ منذ الجملة الأولى حتى النهاية.

ومن هنا أصل إلى فكرةٍ أراها شخصيًا مفتاحًا لفهم هذه المسألة: الكاتب الحقيقي هو "حاوٍ" من طرازٍ خاص.

الحاوي؛ كما هو معروف، لاعبُ خفة، لكن المقصود هنا هو ذلك الفنان الذي يعرف كيف يصنع الدهشة، ويقود أنظار جمهوره حيث يريد، ويخفي أكثر مما يُظهر، ثم يكشفه في اللحظة المناسبة. وهذه هي الوظيفة نفسها التي يؤديها الروائي المتمكن داخل نصه.

فالكاتب، عندما يكتب الكلمات، عليه أن يدير انتباه القارئ، ويوزع لحظات المفاجأة، ويخلق الترقب، ويؤخر المعلومة، ويقدم أخرى، ويزرع الأسئلة قبل الإجابات. إنه يصنع الإيقاع الذي تحدّث عنه الدكتور حسن النعمي،كأبدع حي، بعيداً عن التقنيةً الميكانيكية.

ومن هنا يمكن فهم سبب فشل كثير من دورات الكتابة الإبداعية في صناعة روائيين كبار. فهي تستطيع أن تعلّم بنية الرواية، وأنواع الرواة، والحبكة، والشخصيات، والحوار، وتقنيات الاسترجاع والاستباق، لكنها تعجز عن منح المتدرّب تلك الملكة الخفية التي تجعل النص حيًا. فالإيقاع لا يُحفظ، هو شيء يُكتسب بالممارسة الطويلة، والقراءة العميقة، والخيال الواسع، والتحايل داخل النص، وموهبةٍ تعرف كيف تسمع موسيقى اللغة قبل أن تكتبها.

ولهذا يمكن القول إن الفرق بين الكاتب العادي والكاتب المتمكن يشبه الفرق بين من يعرف أسرار اللعبة، وبين من يمتلك القدرة على ممارستها ببراعة حتى تتحول إلى فنٍّ يدهش الجمهور.

في الموروث الشعبي العربي، وتحديدًا في الثقافة المصرية، يحتل "الحاوي" مكانةً خاصة في الوجدان. قد يبدو لاعبَ خفة، لكنه في الحقيقة صانعُ بهجة، ومهندسُ دهشة، والشخص الذي يلتف حوله السامر طواعية ليقع في أسر حيله البصرية.

وإذا تأملنا فعل الكتابة الإبداعية بعمق، سنجد أن الكاتب الحقيقي ليس سوى "حاوٍ" من طرازٍ رفيع؛ فهو لا يمتلك سوى ثمانيةٍ وعشرين حرفًا ليصنع بها عوالم تخلب الألباب، وتستولي على الخيال.

تبدأ اللعبة دائمًا من "الجراب". في الشارع أو في السيرك، يقف الجمهور حول الحاوي، وهم يعلمون يقينًا أن ما يرونه نوعٌ من الوهم وخفة اليد، ومع ذلك يدفعون المقابل، ويسلمونه عقولهم؛ رغبةً في الاستمتاع. وهذا تمامًا هو "عقد المتعة" غير المكتوب بين القارئ والكاتب.

حين يفتح القارئ كتابًا، يعلم أن الشخصيات حبرٌ على ورق، وأن الأحداث قد تكون من محض الخيال، لكنه يختار بكامل إرادته أن يسلم عقله إلى "جراب" الكاتب. والكاتب الماهر، كالحاوي الذكي، لا يفرغ جرابه دفعةً واحدة؛ يبدأ باستهلالٍ آسر، ثم يمد يده بتؤدة، ليصدمك بحدثٍ مربك، وعندها يخرج لفظًا يدهش، أو فكرةً تزلزل الثوابت، أو تشبيهًا يغيّر زاوية الرؤية، محافظًا على حالة الغموض الجميل والتشويق حتى السطر الأخير.

والسر الأكبر في نجاح أي خدعةٍ سحرية هو مهارة "التوجيه الخاطئ". فالكاتب المحترف يمتلك "خفة يد لغوية"؛ يقود القارئ في اتجاه معين، ويشغله بتفاصيل تبدو طبيعية، ويبني له مبررات مقنعة، حتى إذا استرخى دفاعه العقلي، باغته بنهاية غير متوقعة، أو حقيقة تقلب فهمه للنص كله.

الكاتب، عندما ينغمس في كتابة النص، يجلس وحيدًا خلف مكتبه، لا يملك إلا الكلمات. لكن الكلمات بين يديه تتحول إلى سحرٍ حلال؛ تضحك القارئ وهو وحيد، وتبكيه على موت شخصيةٍ لم توجد قط، وتزرع الخوف في نفسه من سطرٍ مكتوب، وتجعله يعيش حياةً كاملة داخل عالم لا وجود له إلا في الخيال. إذًا، لقد وقعت في شرك الكاتب بمرتبة "الحاوي"، تقودك إليه هندسة الدهشة وسحر الكلمات.

وأكبر مخاوف الحاوي أن ينفضَّ السامر من حوله إذا تباطأ عرضه. لذلك يحافظ على تدفق الإيقاع، ويعرف متى يفاجئ، ومتى يصمت، ومتى يغيّر مسار اللعبة.

والكاتب اليوم يعيش الخوف نفسه؛ فالقارئ يمتلك سلطة المغادرة في أي لحظة. لذلك يصبح إيقاع السرد هو الحارس الحقيقي للنص، وتصبح الدهشة وقوده الذي يمنع القارئ من مغادرة (حلقة) الرواية قبل إسدال الستار.

ولعل ما ذهب إليه الدكتور حسن النعمي في حديثه عن إيقاع السرد يفسر جانبًا مهمًا من متعة القراءة، لكنه يقودنا أيضًا إلى السؤال الأكبر: من أين يأتي هذا الإيقاع؟

إنه لا يولد من القواعد وحدها، ولا من كثرة الورش والدورات، وإنما عندما تجتمع الموهبة مع القراءة العميقة، وسنواتٍ طويلة من الإصغاء إلى موسيقى اللغة، وتأمل إيقاع الحياة، والتدريب المستمر على صناعة الدهشة.

ولهذا فإن الرواية التي تجعلنا نواصل القراءة هي تلك التي يقودها كاتبٌ يعرف كيف يكون "حاويًا"؛ يفتح جرابه في اللحظة المناسبة، ويخفي أكثر مما يكشف، ويقود قارئه بين الحركة والسكون حتى يغلق الكتاب، وهو يشعر أنه خرج من عرضٍ ساحر، وما يزال يتساءل: كيف حدث كل ذلك بهذه الكلمات القليلة؟

إنها ليست وصفةً تُلقَّن، ولا مهارةً تُمنح بشهادة، إنها كيمياء خفية تتشكل في أعماق الكاتب؛ حيث تلتقي الفطرة بالثقافة، والخيال بالمعرفة، والحياة بالأدب. وهناك يولد ذلك السحر الحلال الذي يجعل القارئ ينسى أنه يقرأ، ويؤمن، ولو لعدة ساعات، بأن الوهم الذي صنعته الرواية كان أكثر حياةً ومتعة من الواقع.

كاتب وروائي سعودي