اقرأ على الأبواب والأشجار: كيف حوّل الصينيون الحكمة إلى أسلوب حياة… ولماذا غابت عن بيوتنا؟

كافيين آرت نيوز
اقرأ على الأبواب والأشجار: كيف حوّل الصينيون الحكمة إلى أسلوب حياة… ولماذا غابت عن بيوتنا؟


 

د. محمد طلعت الجندي- شيآن- الصين



تلمس الصينيون سبيل أجدادهم في إحياء موروثهم وعاداتهم وتقاليدهم للمضى قدما على نهج السعادة والحرية وصولا لذروة التأمل بين الشعر والحكمة. ومن هذه العادات الثقافية التي يحرص عليها الصينيون كشعب ودولة، تعليق أبيات الشعر وعبارات الحكمة، ليزينوا بها أغصان الأشجار العتيقة على المجاري المائية في الحدائق العامة، وعلى أبواب البيوت خاصة لحديثي العهد بالزواج أو على باب بيت ساكن جديد. أينما وليت وجهك صوب الأشجار أو البيوت فترى معلقات الشعر والحكمة كثريات منقوشة بماء الذهب بخط صيني تقليدي معتق بخبرة الحياة وآلاف السنين.

الهيام بالتقاليد القديمة:

حالة غرام يعيشها الشعب الصيني مع عبارات الحكمة التي تشي بالسعادة والخير، فلا يخلو بابا من أبواب البيوت الصينية سواء في القرية أو المدينة من التحصن التزين بثلاث عبارات تختلف باختلاف ثقافة صاحب البيت. لكنها تتفق جميعا في الشكل والمعنى، فهناك عبارة فوق الباب بالمنتصف، وعبارة على اليسار، وعبارة على اليمين. توضع كتعويذة أمان ومباركة ودعاء لأهل البيت بالحب والعيش الرغد والسعادة. وعادة هي ثلاث عبارات، ولرقم ثلاثة دلالة ومعنى في المعتقد الكونفوشيوسي حيث يرمز للكمال والتمام. أي هكذا يكون البيت الصيني بيتا لكمال الإنسان الذي يتحصن بآية اقرأ وحكمة تأملها عند الولوج من عتبة البيت.

أسطورة “ني يان” الحكمة ضد الخوف:

لكل باب بيت حكاية ذات معنى لا يفك شفرتها إلا بمعرفة جوهر العبارات الثلاث وألوانها. هكذا عرفت وسمعت الكثير من الحكايات الغريبة، ومنها عبارات الحكمة تلك المعروفة بأبيات الربيع التي كان يستخدمها الصيني القديم لمواجهة الوحش الأسطوري المعروف باسم"ني يان" الذي يعنى حرفيا بالترجمة العربية باسم وحش(السنة الجديدة)، وعليه فإن عبارات الحكمة لم تكن في ماضيها للزينة، إنما تلاها ورددها ودونها نقشا فوق الأبواب لطرد هذا الوحش حتى لا يخطف أهل البيت في رأس السنة الصينية، وهنا استلهم الصيني المعاصر إرث أجداده وحوله من سلاح لهزيمة الوحش لزينة وتميمة حظ في مواجهة وحش العصر الحديث من المادية والأمراض والوباء والحروب.

دلالات اللون فى التراث الصينى:

فلا شيء عند الصيني القديم أكثر أمانا وقدسية غير بيته فهو حصنه وملاذه الأخير من الوحش المرعب الذي جمع بين كل صفات الحيوانات المفترسة فهو القوة الغاشمة والشر المطلق الذي يهدد الإنسان في ليلة احتفاله بالعام الجديد، فالوحش لا يريد للبيت ولا من يسكن فيه عاما جديدا، فهو يخرج ليلة رأس السنة، ليأكل الناس والزرع ويهدم القرى وبيوتها على من فيها. وفي ضوء ذلك قرر الصيني القديم أن يدرس نقاط خوفه من هذا الوحش، ليعرف كيف يحول الخوف إلى شجاعة، ومن ثم عرف نقاط ضعف الوحش"ني يان". وبالفعل عرف الصينيون أن الوحش يخاف من ثلاثة رموز. هي اللون الأحمر والأصوات العالية والأضواء الساطعة، أي اللون والصوت والضوء،  ولكل رمز له مدلول وحكاية.

وعلى الفور كان الملاذ في تحصين أبواب البيوت بحكمة الألوان، فبدأ الصينيون بلصق شرائط ورقية حمراء عريضة لمنع الوحش وإخافته، ثم في العام التالي كتبوا على الأوراق الحمراء عبارات من الحكمة بالألوان سوداء أو ذهبية منظومة بأوزان شعرية، لإبعاد شر الوحش للأبد عن البيت. وكانت من ضمن هذه العبارات الحكيمة " كيو ني يان" ومعناها الحرفي أنه قد تجاوز الوحش، ووجود هذه العبارة على الباب تعنى أن أهل البيت نجوا من الوحش المفترس، والطريف أن هذه العبارة متدوالة حتى الآن بين الصينيين للتهنئة برأس السنة الجديدة.



وعلى صعيد دلالة ألوان عبارات الحكمة واقترانها تحديدا بين ألوان الورق والحبر، فكان الأحمر لون الورق رمزا للنار التي يخافها الوحش، فكان يرى الوحش الورق الأحمر كنار مشتعلة فيرتعد ويبعد عن البيت. أما عبارات نقوش الحكمة بألوان الخط الأسود أو الذهبي فكانت تمثل النور أي الوعي الطارد لظلام الجهل والشرور التي يجسدها الوحش (ني يان). وعلى الرغم من خرافة الأسطورة إلا أن الحكمة المعلقة على أبواب البيوت أضاءت الطريق أمام وعي الصيني لهزيمة الوحش أيا كان نوعه وموقعه، وبالتالي تحصن الشعب بعبارات الحكمة التي أصبحت عادة حسنة أحياها وجددها عبر قرون السنين والأجيال حتى اللحظة الراهنة.

هذا الغرام الشعبي للحكمة أراه نوعا من أنواع الإيمان المطلق بالسعادة باعتبارها نجاة الإنسان، وإن البيت الصيني هو عين هذه النجاة، وعند التأمل في أكثر من عبارات أبواب البيوت التي رأيتها وخبرت معناها الذي أظنه طقسا شعائريا مدونا بخط صيني منمق باللون الأسود أو الذهبي حيث يعكس الأسود أمنية الاستقرار، والذهبي لأمنية الثراء على ورق أحمر مبهج كدلالة على جذب الطاقة الإيجابية لمسرة العين والروح التي تقرأ وتتأمل كلما ولجوا باب البيت مروا بين البهجة والحظ السعيد وداسوا بأقدامهم على الأرواح الشريرة، وطردوا النحس وغبار جن الطريق على عتبة الباب.

تطور عبارات الحكمة عبر العصور:

سنة حسنة أخرى يتبعها الصينيون في الحدائق العامة والمتنزهات حيث تعليق أبيات الشعر على أغصان الأشجار كقلائد ذهبية تعكس أشعة الشمس بالنهار وأضواء المصابيح بالليل في حالة من خطف العين والعقل للوقوف لو للحظة ليكتشف المقروء، ويهز رأسه إيمانا بما قرأ أو يبتسم أو يصافح رفيقه إعمالا لما قرأ من شعر لمس تلك البرهة من زمن التنزهة في الحديقة بالسمو الإنساني.

أصبح الشعر لونا من التنزه وفنا خالصا يميز الحدائق التاريخية والعامة حتى الخاصة والمناطق الطبيعية وسط الجبال والمسطحات المائية وساحات المعابد، ليترجم كل ما سبق رغبة الصينيين في إحياء إرثهم الثقافي وتعزيز حالات التأمل والوعي بالجمال البيئي، وتوسيع رقعة فكرتهم الخاصة حول رؤية العالم بعيون الأشجار. بمعنى أن تسمع وترى ما تقوله الأشجار لك. وهذه الرؤية تحتم على الصينيين المعاصرين احترام وتقدير أسلافهم حيث دمج فنونهم وآدابهم في البيئة المحيطة. أي بين الكلمة والطبيعة، ومن ثم التأمل الذي يفجر ينابيع الشعر والحكمة.        

الراهب "هان تشان" وفلسفة التمرد الجمالى:

لا شك أن القائمين على بستنة الحدائق في الصين لم تأت لهم هذه الفكرة من فراغ، بل هي تقليد قديم متبع منذ القرن السابع الميلادي حين علق الراهب الحكيم (هان تشان) أبياتا من الشعر على أغصان الأشجار كنوع من الاعتراض على السائد من المعتقد البوذي التقليدي حيث التمرد على كل ما هو قديم محفوظ، وبالتالي رفض شيان التقيد بالنصوص المكتوبة القديمة باعتبارها ليست وحيا مقدسا إنما هي تجارب لرهبان سابقين كل له طريقه، وبالتالي يجب الاعتراف بطرق أخرى وبتجارب أخرى. وله في ذلك أبيات شعرية عميقة توضح فكرته ببساطه، فيقول:" طريقي ليس هو طريق الناس.. وقلبي ليس كقلوبهم."، لذلك هجر استقرار الرهبان، وذهب متوحدا بين الجبال والطبيعة، ولم يدون فكرته في أوراق كي لا تحفظ وتصبح صنما يُعبد فيما بعد، بل نقش أفكاره في قوالب شعرية، وكتبها على أوراق الأشجار العريضة، وحفرها على جذوع الأشجار والصخور وجدران الكهوف وحتى على جدران الأكواخ التي كان يمر بها عبر سياحته. ومن ثم باتت أسطورة صينية أخرى ترمز إلى أن الفكرة ستحيا إن أخلص لها صاحبه وتركها مع الطبيعة تعيش وتخلد دون صراع أو فرضها على البشر.

المثير للدهشة لن تجد عبارات أو أبيات عن القوة في المطلق، إنما عبارات مانحة الأمل واهبة السعادة، فقط على المتأمل في حروف العبارة المتدلية من غصن الشجر أو فوق الباب وعلى جوانبه أن يمعن القراءة بقلب ذي يقين بتحقيق ما قرأ. وهنا تبدأ الرحلة سواء في الحديقة وتحت أغصان الشجر أو في رحلة الدخول والخروج من باب البيت، فقط ما عليه أن يتمثل هذه الحكمة أو تلك القيمة في بيت الشعر شعارا ومسعى حقيقي ونهج طريق في ممارسته أثناء رحلة التنزهة في الحديقة أو أثناء رحلة الشقاء خارج باب البيت الصيني. ففي كل عبارة وفي كل بيت شعر معنى مناسب لحال من يقرأ، وعلى من يقرأ أن يستنبط ما يخصه من معنى ويسعى إليه في نهج التعايش والروتين الصارم، لتحقيق المثل العليا لنهضة الذات تحت مظلة الوجود القاسية.

من حكمة الصين إلى التصوف العربي:

أدرك الرهبان أن الشعر والحكمة وجهان لعملة الطبيعة في الصين، فكانت الطبيعة وأنغام طيورها وخرير مجاري المياه، وكل ما لا يتخيله الخيال العربي من الحسن والجمال متوفر هناك بكثرة في تجربة الشعر والحكمة. ومن باب المقارنة الفارقة والمضادة قد أدرك شيوخ الصوفية في مصر الفاطمية وما تلاها من عصور أن الصحراء وجبل المقطم الذي استلهم منه الصوفيون حكمتهم العرفانية في التوحد مع الخلاء بصحرائه الجرداء وحبس معارفهم في إطار غيبي قاحل.

أما عن النتائج كما أراها، فشتان بينها، فالأولى صارت مسار حياة يومي لعامة الصينيين، والثانية تطرفت وحوصرت في غيبيات فردية خاصة لم يقتنع بها العامة لطبيعتها الفردانية وممارستها الشاقة التي غالبا ما تأتي بأحوال العبث والدروشة الفارغة كما هو شائع بين أحوال المصريين خاصة والعرب عامة.

إن مبتغى الحكمة والشعر هو الوصول للسعادة وحرية الإنسان الذي يجتهد ويبتكر ويترك أثرا لثراء اقرأ أو تأمل لينتج شعرا أو حكمة، وهذا ما اتسمت به التجربة الصينية في رمزية الباب والشجرة. تجربة بسيطة تساعد الإنسان إلى الوصول المثالي للاستنارة والوعي بالذات كي يعمل إنسانا لا تنبلا خاملا محشو بصور ضبابية عن جوهره كما في تجربتنا العربية الإسلامية والمصرية تحديدا. الطبيعة تلك اللوحة الخلابة التي استثمرت اقرأ مقابل صحراء جرداء لم تستثمر اقرأ.

غياب “اقرأ” وجمود الواقع العربي:

وعلى الرغم من أن للأبواب وجدران البيوت المصرية كانت يعلق عليها بعض من آيات القرآن وعبارات الحكمة وهذا كان بمثابة سنة حسنة تعكس قيمة شعب ذي حضارة وبلد عريق يعي فكرة اقرأ وتأملها، وحين تغلغل فيها السوس الذي اعتبر هذه السنة بدعة؛ ضاعت الحكمة من بيوتنا، وهذا ما أراه مفارقة عجيبة طمست المعنى وقيمته في بلاد الحضارة القديمة بالمنطقة الناطقة بالعربية التي تحول فيها إعمال العقل في آية اقرأ وحكمة تأملها  تكفير وخروج عن الملة.!

وعلى الصعيد العربي فماذا ينقصنا من أشعار وبلاغة الشعراء وحكمتهم ونملك من إرثهم الكثير، ليس سؤالا أكثر منه دهشة، فأتخيل على سبيل المثال حدائق بغداد ودمشق والقاهرة وتونس مزينة أشجارها بقلائد المتنبي وأبي العلاء وأبي العتاهية وأحمد شوقي والشابي، وهل أصحاب القرار في بستنة هذه الحدائق العربية يملكون هذه الحكمة والوعي بالشعر فلنقل نعم، بعد أن نحسن الظن في ثقافتهم، فهل يملكون القرار لتفعيل ذلك!

هل يمكن إحياء تقاليد الحكمة في المدن العربية؟

وأقول بكل إيمان إن الشعب الذي يدرك قيمة اقرأ وفطنة التأمل في تذوق الشعر والامتثال لعبارات الحكمة، فهو شعب في معية القيم العليا والمبادئ السامية، فالشعب الذي يؤمن بالشعر والحكمة ويرتلهما احتراما وفهما، فهو شعب لن يجوع ثقافيا ولا عقليا ولا روحيا، فهذا النوع من الشبع يحميه من جوع البطن والفقر والحصار والمجاعات وتكالب الأمم عليه كما حدث للنهضة الصينية. وللمقارنة المحزونة لحالنا نحن كحضارة إسلامية عربية وحال اقرأ ونصها القرآني المهجور، والسؤال الأزلي كيف هجرنا سنة اقرأ مقابل النقل والتخلف والرجعية. كيف عنكبت على أبوابنا عتمة النفس، وجهل الإنسان بإنسانيته، وختان حقه في الاجتهاد. وكيف بار التذوق العربي للشعر والحكمة؟!