من قصر الرئاسة فى الخرطوم إلى الكيت كات: لماذا أهدى جعفر نميرى الحلوى إلى طفلة مصرية؟

كافيين آرت نيوز
من قصر الرئاسة فى الخرطوم إلى الكيت كات:  لماذا أهدى جعفر نميرى الحلوى إلى طفلة مصرية؟

جعفر نميرى


ببراعة أدبية تروى الكاتبة لحظات لقائها بالرئيس السودانى السابق "جعفر نميرى" أمام فرن للخبز "الفينو" فى حى "الكيت كات" الشعبى، حيث أعاد نداءها له جزءا من روحه المفقودة.

أميرة الملاح – مصر

كانت فسحتنا اليومية أنا وماما كل مساء هي مخبز الفينو المشهور في ميدان الكيت كات، الفرن لم يكن مجرد مخبز عاى، كان معلمًا من معالم المنطقة.. "أنضف" فرن في الكيت كات وما حولها، والناس تأتيه من شوارع بعيدة مخصوص، ريحة العيش الساخن تسبقك قبل ما توصل له..وصفوف الفينو المرصوصة خلف الزجاج كانت بالنسبة لطفلة صغيرة مشهدًا من الجمال نفسه.

كنت وقتها  في أول سنين الابتدائي. كنت فاكرة إن الدنيا كلها عبارة عن البيت ..والمدرسة.. والفرن، والشارع اللي بنعديه وإيد ماما ماسكة إيدي.

"صدمة سعيدة" واكتشاف مدهش:

في يوم نزلنا كعادتنا نشتري احتياجات البيت.. وأنا شايلة كيس الفينو في إيدي ومبسوطة إني بقيت كبيرة وبشيل الحاجة بنفسي. فجأة اصطدم بيّ رجل كان ماشي بسرعة.. والكيس طار من إيدي ووقع على الأرض.

قبل ما ألحق أعيط أو أقول حاجة..انحنى الرجل بسرعة يلم الأكياس ويعتذر. وفي اللحظة دي بالضبط ..اتفتح زجاج عربية كانت واقفة جنب الفرن.. وظهر رجل كبير في السن، ملامحه مهيبة، ويرتدي عمامة مميزة شدت نظري فورًا.

نادى على الرجل اللي خبطني، وعرفت بعدها إنه السائق، وقال له بهدوء فيه حسم:

- اشتري لها غيره.

ماما ردت بسرعة من غير ما تلتفت له وشكرته.. وقالت إن الحاجة سليمة، وإن الفينو جوه الأكياس محصلوش حاجة. لكنه كرر كلامه مرة تانية.. بنفس الإصرار:

- لا… هات غيره.

دهشة فى ميدان شعبى:

وقتها بصيت لماما، فلقيتها اتغيرت..سكتت فجأة. سكتت سكوت واحد شاف شخصًا لم يتوقع أبدًا إنه يشوفه في المكان دا.. كانت مركزة جدًا في وش الرجل.. كأنها بتفتش في ذاكرتها..سحبتني بهدوء وهي سرحانة ثم شكرته مرة تانية وأخدتني ومشينا.

طوال الطريق كانت ساكتة. وأنا مستغربة من سكوتها ..

أول ما بابا رجع البيت.. قالت له من غير مقدمات:

- أنا النهارده شفت جعفر نميري...بابا بص لها باستغراب.. وردد الاسم:

- جعفر نميري؟

قالت له بثقة:

- أيوه، هو بنفسه. واقف بعربيته عند الفرن. من غير حراسة ولا دوشة، ومعاه السواق بس.

بابا فضل شوية مش مصدق، وقال:

- يمكن شبهه...قالت له:

- لا، هو. أنا متأكدة..هو جعفر نميري.

وقفت بينهم وسألت السؤال الطبيعي بالنسبة لطفلة صغيرة:

- مين جعفر نميري؟

قالوا لي: كان رئيس السودان...

فقلت فورًا: يعني زي مبارك كدا؟

ضحكوا وقالوا:

- أيوه… بس حاليا عايش في مصر عشان فيه رئيس تاني غيره..واضاف ابي انه كان رجلا قويا ..يمكن هم نسوا الحوار بعد دقائق ..لكن أنا لم أنسه أبدًا. الأطفال يحفظون ما يظنه الكبار عابرًا.. حفظت الاسم، وحفظت أنه كان رئيسًا، وحفظت أن الرجل الذي رأيته في السيارة ليس رجلًا عاديًا.

و حفظت شكل العربية وشكل الرجل صاحب العمامة المميزة.

بعدها بحوالي شهر أو أكتر.. نزلت مع خالتي نفس المكان.. نفس الفرن، نفس الزحمة. وأنا واقفة.. لمحت نفس العربية بتقف. قلبي دق بسرعة..ونزل منها نفس السائق.

سيبت خالتي بتشتري ووقفت أبص للعربية اللى بيني وبينها متر تقريبا .. كان هو فعلًا. نفس العمامة، نفس الجلسة الهادية.. ونفس الملامح اللي علقت في دماغي من المرة الأولى.

فضلت أبص له بتركيز طفلة شايفة شخصية خارجة من التلفزيون وقاعدة ادامها في الشارع.. حس بنظراتي ..لأنه التفت ناحيتي مباشرة. ولما شافني ابتسم.

أنا كمان ابتسمت من غير ما أحس.

بعدها رفع إيده من جوه العربية.. وأشار لي بتحية فرددت بمثلها.. كصورة وانعكاسها..ثم أشار لي بالاقتراب ..

أنا بطبعي كنت طفلة خجولة جدًا. لا أكلم حد.. ولا أروح لحد.. ولا أرد حتى لو حد غريب كلمني..  لكن المرة دي مشيت ناحيته فورًا..كأني كنت مستنية الإشارة دي.

وقفت قريبة من شباك العربية. .فتحه للآخر.. وبص لي وسألني:

- اسمك إيه؟ جاوبته.

وقتها كانت خالتي قد اقتربت ..مستغربة وقوفي بجانب سيارة غريبة.. فقالت بنبرة فيها خوف وتنبيه:

- بتكلمي مين؟

سر دموع الرئيس:

التفت إليها.. ثم أشرت بيدي الصغيرة إلى الرجل الجالس داخل السيارة وقلت بمنتهى البراءة..وبصوت سمعه هو قبل أن تسمعه هي:

- بكلم جعفر نميري… رئيس السودان.

ما إن خرج اسمه من فمي حتى حدث شيء لا يُنسى.

كأن الاسم لم يكن مجرد حروف..بل مفتاحًا فتح بابًا قديمًا في صدره..انفتح على عمر كامل.

ارتجف وجهه ارتجافة خفيفة..واتسعت عيناه بدهشة ..ثم تبدل هدوء الرجل في لحظة.. وتحول لدهشة موجوعة.

رفع رأسه نحوي بسرعة..كمن سمع صوتا آتيًا من زمن بعيد.

يده التي كانت مستقرة على باب السيارة تحركت مرتبكة.. ثم دفع الباب وفتحه بعجلة..وأنزل قدميه إلى الأرض.. كأنه لم يعد يحتمل البقاء جالسًا بعد أن سمع اسمه هكذا..كان نصفه داخل السيارة والنصف الآخر خارجها..

نظر الي طويلا كأنه ينظر في شيء أكبر من طفلة...

ربما في وطن ناداه فجأة...

ربما في شعب ظن أنه نسيه...

ربما في أيام كانت تُفتح فيها الأبواب حين يدخل.. ثم انتهت..ولم يبقى منها إلا اسم خرج من فم صغيرة في شارع بعيد مزدحم..

وحين تكلم..خرج صوته مبحوحًا.. مثقلاً بشيء يشبه الفرح والبكاء معا..قال:

- إنتي… تعرفيني؟

قالها كرجل لا يسأل سؤالًا… بل يفتش عن نفسه.

قلت له فورًا:

- أيوه. ماما قالت لبابا لما شافتك.. وبابا قال إنك زي مبارك بس رئيس السودان ..وانت راجل قوي..

خالتي كانت واقفة مذهولة.. لا فاهمة حاجة ولا مستوعبة إن طفلة واقفة تكلم رئيس جمهورية سابق في نص ميدان الكيت كات...أما هو، فابتسم ابتسامة واسعة امتزجت فيها الفرحة بالحزن. مد يده إلى جواره.. وأخرج قطع حلوى..من شنطة بجانبه.. ووضعها في يدي واحدة واحدة..كأنه يهديني شيئًا أغلى من مجرد سكر.

. ثم ربت على كتفي بحنان، وقال:

- سلمي على الوالد.

ثم دخل إلى العربية من جديد.. وأغلق الباب بهدوء..وتحركت السيارة ببطء ..

حلوى السلطة والذكرى الخالدة:

رجعت البيت أجري ..وأنا شايلة الحلوى كأنها كنز. حكيت لماما كل حاجة بالتفصيل..وهي نفسها انبهرت أكتر مني.

تاني يوم أخدت الحلوى المدرسة.. لا لأوزعها… بل لأريها لزملائى كنت داخلة الفصل فخورة جدًا بنفسي اني معي هدية من رئيس السودان..

طبعًا ما كانوش يعرفوا مين هو.. ولا فارق معاهم الاسم  أصلًا. كل اللي فارق معاهم الحلوى. لكن أنا كنت رافضة أدي لحد قطعة واحدة. كنت شيفاها ذكرى..مش سكاكر...ذكرى من رجل مهيب ذو عمامة مميزة  ولقاء لم افسره الا عندما كبرت..

كنا بنشوفه على فترات متباعدة مارا بسيارته في المنطقة ..ومرت السنوات..وأُغلق الفرن الذي كان من معالم الميدان..وكبرنا جميعًا.

وفي يوم.. بدافع الحنين.. بحثت عن جعفر نميري على الإنترنت.. فاكتشفت أنه خلال إقامته في مصر كان يسكن في مصر الجديدة… بعيدًا جدًا عن الكيت كات.

تعجبت طويلًا:

ما الذي أتى برئيس سابق ..عرف السلطة والمنفى.. إلى فرن فينو بسيط في ميدان شعبي؟ ما الذى كان يجعله يتردد على المنطقة؟ تذكرت كل هذا وانا اشتري احتياجتنا من الفرن الجديد اللي فتح في الميدان ..نظرت لأمي وسألتها فاكرة جعفر نميري؟ واغمضت عيناي وتذكرت كل تعبيرات وجهه والتي استطعت ان افسرها الان فقط..

ثم أدركت شيئًا متأخرا..

لماذا يحب جعفر نميرى "الكيت كات":

لم يكن الرجل الذي مر في ميدان الكيت كات يبحث عن مكانة.. ولا عن تصفيق.. ولا حتى عن اعتراف.

كان يبحث عن شيء أبسط وأعمق من كل ذلك…

كان يبحث عن أن يُرى من جديد.. كإنسان.. لا كعنوان في كتاب تاريخ.

وربما لم تكن دهشته من أن طفلة عرفته…

بل من أن العالم..رغم قسوته وزحامه ونسيانه السريع.. ما زال يحتفظ له بمكان في ذاكرة لم يتوقعها أبدًا..ذاكرة طفلة صغيرة…في ميدان شعبي عادي…

نطقت اسمه كما يُنطق لأول مرة.. بلا ثقل السياسة.. ولا حسابات التاريخ.. ولا رهبة المناصب.

اسم خرج بريئًا…

فأعاد لرجل كبير لحظة كاملة من ذاته التي ظن أنه فقدها.

وفي تلك اللحظة فقط… فهمت.

أن بعض الأسماء لا تُمحى بالسقوط من المناصب…ولا تُخلد بالكرسي…

بل تُخلد حين تمر صدفة في ذاكرة إنسان واحد.. فيحتفظ بها كما هي…حية، دافئة.. وغير منقوصة..

رحمة الله على رجلا أهداني حلوى ..وذكرى تدوم ..



ملحوظة: لم نتدخل فى تصحيح النص وإضافة الهمزات أو إعادة التشكيل، نشرناه بنفس الروح التى صاغتها به كاتبته، ليحتفظ بمشاعر طفولتها، وذكرى رجل عظيم. "كافيين آرت نيوز"