الثقافة المصرية: من عُبء الموازنة إلى اقتصاد الإبداع

كافيين آرت نيوز
الثقافة المصرية: من عُبء الموازنة إلى اقتصاد الإبداع

قراءة تحليلية في القيمة الاقتصادية للرصيد الثقافي وسلسلة القيمة المفقودة

 

            تامر صلاح الدين

 

لم أعد أكتب بانتظام، لانشغالي بمشروع ثقافي وفني ضخم هو"بينالي سينما الرؤية الدولي" المقرر انطلاقه في أغسطس 2027. وما دفعني إلى "العودة" اليوم هو ذلك الشعور المتزايد بافتقارنا إلى مفهوم واضح ومتكامل لـ"الصناعات الثقافية"؛ تلك التي يمكن أن تخدم المبدع والدولة معًا، وأن تضيف إلى رصيد التراث الوطني، موردًا اقتصاديًا مستدامًا إلى الناتج المحلي والتجارة والصادرات، مثل كثير من دول العالم.

 

لذلك، لو قدر لسياسي أو مسؤول اقتصادي أن يتولى زمام القطاع الثقافي في مصر اليوم، فإن السؤال الأكثر خطورة وإلحاحًا لن يكون: كم تكلف الثقافة الموازنة العامة للدولة؟ بل:

كم تساوي الثقافة المصرية حقيقةً في السوق المحلي والعالمي؟

وهل يمكن للصناعات الثقافية والإبداعية أن تصبح أحد روافد الناتج المحلي الإجمالي، والتوظيف، والتصدير، والاستثمار، كما حدث بدرجات مختلفة في دول طورت سياسات وطنية متكاملة لهذا القطاع؟

يشمل ذلك، من بين ما يشمل، السينما المصرية بتاريخها الطويل، والأرشيف الغنائي والموسيقي منذ بدايات التسجيل على الأسطوانات والشرائط القديمة، وآلاف عناوين الكتب والمسرحيات، وأرشيفات الصحافة والإذاعة والتلفزيون، فضلًا عن الحرف التقليدية والعمارة والتراث المادي وغير المادي، والقصص والشخصيات التاريخية التي تمثل نبعا لا ينضب لصناعات الأفلام والمسلسلات والألعاب الإلكترونية والمنتجات التعليمية والثقافية والسياحية.

ثم يأتي التحدي الهيكلي الأكثر تعقيدًا:

كم من هذه الثروة الوطنية الاستثنائية يتحول بالفعل إلى قيمة مضافة داخل الاقتصاد المصري، وفرص عمل مستدامة، وصادرات من السلع والخدمات الإبداعية، واستثمارات، وعوائد من الملكية الفكرية؟

 

الواقع يؤكد أن مصر لم تعانِ قط من نقص في الموهبة، ولا من فقر في المادة الإبداعية، ولا من غياب الرمزية التاريخية؛ بل إن الأزمة تكمن في وجود فجوة هيكلية عميقة بين الأصل الثقافي والقيمة الاقتصادية، وبين الإبداع والمنظومة السوقية.

وهذه الفجوة بالذات هي التي ينبغي أن تتصدر أولويات السياسة الثقافية والاقتصادية المصرية في العقد القادم.

 

مصر: ثروة ثقافية هائلة وقيمة اقتصادية غير مستغلة

 

يحظى هذا الوطن بواحد من أكثر الأرصدة الثقافية تنوعًا وثراءً في الشرق الأوسط وأفريقيا: سينما، تلفزيون، موسيقى، مسرح، نشر، فنون تشكيلية، عمارة وتراث، حرف يدوية، وإعلام ومحتوى رقمي؛ غير أن وجود هذه الأنشطة لا يعني تلقائيًا أننا نمتلك صناعة ثقافية متكاملة.

فالصناعة التي تبدأ بالشرارة الأولى للموهبة، وتنتهي بإنتاج العمل الفني، ثم تستمر في استغلاله وإعادة توزيعه وترخيصه، تحتاج إلى "سلسلة قيمة" مكتملة الأركان؛ وهى على سبيل المثال كالتالى:

 

(موهبة → تطوير → تمويل → إنتاج → حماية حقوق → توزيع → تسويق محلي → تسويق دولي → تصدير → ترخيص → عوائد → إعادة استثمار)

 

وهنا تظهر نقطة شديدة الأهمية:

العمل الإبداعي ليس مجرد منتج له لحظة بيع؛ بل هو أصل يمكن أن يمتلك دورة حياة اقتصادية طويلة. فالرواية يمكن أن تصبح كتابًا صوتيًا، ثم ترجمة، ثم مسلسلًا أو فيلمًا، ثم لعبة، ثم منتجًا تعليميًا.

والفيلم يمكن أن يبدأ من دور العرض، ثم ينتقل إلى المهرجانات، والتوزيع الدولي، والمنصات، والبث التلفزيوني، وشركات الطيران ووسائل النقل، ثم إعادة الإصدار والترميم وإعادة الترخيص.

 

والأغنية يمكن أن تنتقل بين الأسواق واللغات من خلال حقوق الأداء وإعادة التسجيل والاقتباس والتكييف، وفق طبيعة الحقوق والعقود والقوانين المنظمة لها.

وعندما تنقطع إحدى حلقات هذه السلسلة، يظل المبدع أسير جهده الفردي، ويبقى العمل الفني مجرد كتاب أو شريط أو ملف رقمي، بينما تتسرب أجزاء كبيرة من القيمة الاقتصادية الممكنة أو لا تتولد أصلًا.

 

وبحسب منهجية "المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO)"، فإن قياس المساهمة الاقتصادية للصناعات القائمة على حق المؤلف يستند بصورة أساسية إلى ثلاثة مؤشرات: القيمة المضافة إلى الناتج المحلي الإجمالي، والعمالة، والتجارة الدولية. وتشمل الصناعات الأساسية القائمة على حق المؤلف الأدب والموسيقى والمسرح والسينما والإعلام والتصوير والبرمجيات والفنون البصرية والإعلان، إلى جانب صناعات مترابطة وجزئية وأخرى مساندة. ([WIPO][4])

ومن ثم، فإن التعامل مع الثقافة باعتبارها مجرد «فعاليات ومهرجانات» هو اختزال مجحف؛ لأنه يغفل القطاع الاقتصادي المتكامل الكامن خلفها.

 

-    معضلة القياس: لا نعرف بعد كم تساوي الثقافة المصرية إن البداية الحقيقية لأي إصلاح اقتصادي جاد تبدأ من "القياس".

لا يمكننا أن ندعي نسبة محددة لمساهمة القطاع الثقافي والإبداعي في الناتج المحلي الإجمالي المصري من دون نظام إحصائي وطني واضح، يحدد تعريف القطاع، ويمنع الازدواجية في الحساب، ويرصد الأنشطة التي تتوزع حاليًا بين قطاعات اقتصادية مختلفة.

وقد تناولت منظمة WIPO بالفعل دراسات عن الصناعات القائمة على حق المؤلف في عدد من الدول العربية، في دراسة منشورة عام 2003 شملت مصر والأردن ولبنان والمغرب وتونس. وتكمن أهمية هذه الدراسات في أنها وضعت إطارًا لقياس مساهمة هذه الصناعات في الاقتصاد، رغم أن البيانات المتاحة آنذاك لا يمكن التعامل معها بوصفها قياسًا حديثًا للاقتصاد الإبداعي المصري في عام 2026. ([WIPO TIND][5])

 

وهذه نقطة جوهرية: نحن بحاجة إلى قياس جديد وحديث، لا إلى إعادة استخدام أرقام قديمة.

 

ولكي تستثمر الدولة في ثروتها الثقافية، لا بد أولًا من حصر المنتج الثقافى وقياسه عبر إنشاء:

الحساب الفرعي القومي للصناعات الثقافية والإبداعية

"Egyptian Cultural & Creative Industries Satellite Account"

وهو نظام إحصائي واقتصادي وطني تشترك فيه الجهات المعنية بالثقافة والاتصالات والسياحة والمالية والاستثمار، بالتكامل مع الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء والبنك المركزي، وفق منهجية قابلة للمقارنة دوليًا.

ويجب أن يقيس سنويًا:

-   القيمة المضافة والإيرادات وفق تعريفات محاسبية واضحة.

-  العمالة المباشرة وغير المباشرة.

- عدد المنشآت والشركات الإبداعية.

- الصادرات والواردات من السلع والخدمات الإبداعية.

- تدفقات الاستثمار المرتبطة بالقطاع.

- عوائد وترخيص حقوق الملكية الفكرية القابلة للقياس.

- حجم السوق الرقمي.

- مساهمة السينما والنشر والموسيقى والألعاب والتصميم والإعلان والحرف والتراث والسياحة الثقافية فى الاقتصاد.

 

فالمشكلة ليست فقط أننا لا نعرف كم يساوي الاقتصاد الإبداعي المصري؛ بل إننا لا نعرف بدقة أين تتسرب القيمة داخله.

 

-         المؤشرات الدولية: سوق ضخم وإمكانات غير مكتملة

 

يقدم "مؤشر الابتكار العالمي 2025 (Global Innovation Index)" قراءة شديدة الدلالة عن الوضع المصري.

فمصر تحتل:

- المرتبة 17 عالميًا في حجم السوق المحلي.

  -المرتبة 41 عالميًا في صادرات السلع الإبداعية كنسبة من إجمالي التجارة.

- المرتبة 80 عالميًا في مؤشر إنتاج الأفلام الطويلة لكل مليون من السكان في الفئة العمرية التي يعتمدها المؤشر.

- المرتبة 57 عالميًا في مؤشر سوق الترفيه والإعلام بالنسبة إلى السكان في الفئة العمرية نفسها. ([WIPO][1])

 

وتضع WIPO «صادرات السلع الإبداعية» ضمن نقاط القوة النسبية لمصر، بينما يظهر إنتاج الأفلام الطويلة وسوق الترفيه والإعلام ضمن نقاط الضعف النسبية في ملف مصر بالمؤشر. ([WIPO][6])

 

والمدلول الاقتصادي لهذه الأرقام واضح:

 

مصر تمتلك سوقًا محلية ضخمة، ولديها حضور قابل للقياس في تجارة السلع الإبداعية، لكنها لا تزال بحاجة إلى منظومة أقوى لتحويل حجم السوق والرصيد الثقافي إلى إنتاج إبداعي وتوزيع واستثمار وتصدير على نطاق أكبر.

وهنا تحديدًا ينبغي الحذر من قراءة الأرقام بطريقة دعائية؛ فهذه المؤشرات لا تقيس "قيمة الثقافة المصرية كلها"، وإنما تقيس مؤشرات فرعية محددة وفق منهجية المؤشر.

وهذا سبب إضافي يدفعنا إلى إنشاء "حساب وطني مصري متخصص".

 

-          انقطاع "سلسلة القيمة" وتحجيم الأصول:

لدينا الكاتب والسيناريست والمبدع، لكننا نفتقد في كثير من الحالات الشبكة الاقتصادية المكتملة التي تحيط به:

المحرر المحترف، والناشر القادر على بناء السوق، والمترجم، ووكيل الحقوق، ومؤسسة التوزيع، والتسويق الدولي، وإدارة الملكية الفكرية، والكتاب الصوتي، والاقتباس السينمائي والتلفزيوني، والمنصات الرقمية، وسوق حقوق احترافي. وهذه ليست خدمات هامشية؛ بل حلقات إنتاج للقيمة نفسها.

في السينما مثلًا، لا ينبغي أن يقاس نجاح الفيلم بإيرادات شباك التذاكر المحلية خلال أسابيع عرضه الأولى، بل "بمجموع القيمة التي يمكن أن يولدها خلال دورة حياته الاقتصادية".

وتبدأ هذه الدورة بالإنتاج، ثم المهرجانات ودور العرض، ثم المبيعات الدولية، والبث التلفزيوني والمنصات الرقمية، ثم التراخيص لشركات الطيران ووسائل النقل، وإعادة الإصدار والترميم، وإعادة الترخيص، والاقتباس أو التكييف أو إعادة الإنتاج وفق الحقوق المتاحة.

وهنا يجب أن نعيد تعريف الفيلم القديم:

الفيلم القديم ليس بالضرورة أصلًا منتهي الصلاحية؛ قد يكون أصلًا ثقافيًا يحتاج إلى إدارة حقوق ورقمنة وترميم وتوزيع جديد، وهذا لا يشبه إعادة اختراع "العجلة".

والشيء نفسه ينطبق على التسجيلات الموسيقية، والكتب، والمخطوطات، والصور التاريخية، والأرشيف الإذاعي والتلفزيوني.

 

دورة حياة الأصل الإبداعي:

ربما نحتاج هنا إلى تغيير طريقة تفكيرنا كلها، فبدلًا من النظر إلى العمل الثقافي باعتباره منتجًا ينتهي عند لحظة البيع أو العرض، يجب أن ننظر إليه باعتباره "أصلًا إبداعيًا له دورة حياة":

(فكرة → تطوير → إنتاج → ملكية وحقوق → توزيع → ترخيص → إعادة استغلال → رقمنة وأرشفة → إعادة تقديم → تصدير → عوائد → إعادة استثمار)

وكل حلقة مفقودة تعني قيمة اقتصادية محتملة لم تتحقق. ولهذا فإن الاقتصاد الإبداعي لا يبدأ فقط من إنتاج أعمال جديدة؛ بل يبدأ أيضًا من "إدارة الأصول الثقافية الموجودة بالفعل"، وما أكثرها فى مصر.

 

-          التمويل والملكية الفكرية: الأصول غير الملموسة

في الاقتصاد التقليدي، يتكئ المستثمر على الأصول المادية: الأرض، المصنع، الآلات، والمخزون، أما في الاقتصاد الإبداعي، فقد يكون الأصل الحقيقي غير ملموس مثلا لا حصرا:

"سيناريو، رواية، لحن، تسجيل، شخصية، علامة تجارية، تصميم، برنامج، لعبة، أرشيف، أو كتالوج حقوق"!

 

وهنا تكمن إحدى مشكلات التمويل الكبرى، فالمؤسسة المالية التقليدية تسأل: أين الضمان المادي؟

بينما قد تكون القيمة الحقيقية للمشروع في "حقوق مستقبلية وتدفقات نقدية محتملة".

ويشير البنك الدولي في منشور صدر في يونيو 2025 إلى أن الصناعات الإبداعية عالميًا تولد نحو 2" تريليون دولار من الإيرادات وتدعم أكثر من 50 مليون وظيفة"، (هل تخيل أحد هذا الرقم من قبل؟) مع استمرار صعوبة حصول كثير من المشروعات الإبداعية على التمويل اللازم لتحقيق إمكاناتها التجارية. ([World Bank Blogs][2])

ومن هنا، فإن بناء بيئة تمويلية مصرية مناسبة يقتضي تطوير أدوات مثل:

-  إعادة تأسيس أو تطوير صناديق استثمار ثقافي وإبداعي ومسرعات أعمال.

-  حوافز ضريبية مدروسة للاستثمار في الإنتاج الفني والتراثي والإبداعي.

- تمويل قائم على التدفقات النقدية المستقبلية وحقوق الملكية الفكرية، عندما تكون الحقوق واضحة وقابلة للرهن أو التوريق وفق الإطار القانوني.

-  أدوات ضمان ائتماني للمشروعات الإبداعية.

-  إنشاء سجل وطني للأصول الثقافية والحقوق، مع تحديد الملكية والوضع القانوني لكل أصل قبل طرحه للاستثمار أو الترخيص، وهنا يصبح "وضوح الملكية" شرطًا سابقًا على الاستثمار.

 

المبدع هو صاحب الأصل أولًا:

لا يمكن بناء اقتصاد إبداعي عادل إذا ارتفعت قيمة الصناعة بينما ظل المبدع يحصل على الجزء الأصغر من القيمة التي يولدها عمله، وهذا بداهةَ، فإذا كان الاقتصاد الإبداعي سيصبح صناعة حقيقية، فيجب أن تكون الملكية الفكرية أداة لحماية المبدع، وليس مجرد وسيلة لتسهيل استثمار الشركات.

لأنه إذا لم ترتفع حصة المبدع من القيمة التي يولدها عمله، فلن يكون لدينا اقتصاد إبداعي عادل، وإنما سوق لاستغلال الإبداع.

ولهذا فإن حماية الحقوق، ووضوح العقود، وإدارة المكاسب الأدبية والمادية، والشفافية في التوزيع، وآليات تحصيل العوائد، كلها أجزاء من البنية التحتية الاقتصادية للصناعة.

 

السوق المحلي: ميزة أم فخ ؟

 

تمثل السوق المصرية الكبيرة ميزة اقتصادية حقيقية، وتظهر مصر في مؤشر الابتكار العالميفى مرتبة متقدمة نسبيا، كما ذكرنا عاليه، لكن السوق الكبير يمكن أن يتحول بشكل عكسى ""paradoxically، إلى قيد إذا أصبح المنتج الثقافي مكتفيًا به.

 

المعادلة التي نحتاجها هي:

السوق المحلي هو نقطة الانطلاق، وليس المحطة الأخيرة، فالمنتج المصري ينبغي أن يُصمم منذ البداية، متى كان ذلك ممكنًا، بحيث يكون قابلًا للترجمة والتوزيع والتسويق خارج مصر.

الرواية المصرية ينبغي أن تكون قابلة للترجمة.

والفيلم المصري قابلًا للبيع في أسواق متعددة.

والأغنية قابلة للوصول إلى جمهور غير عربي.

والحرفة المصرية قابلة للتحول إلى علامة تصميم.

والتراث المصري قابلًا للتحول إلى تجربة ثقافية عالمية.

 

التراث: من رمز للهوية إلى رأس مال إبداعي

إن مصر القديمة، والحضارات الإسلامية والقبطية، والتراث السكندري المتوسطي، والنوبة، والصعيد، والحكايات الشعبية، والعمارة، والحرف، والموسيقى، ليست مجرد مقتنيات للماضي وكل ذلك فى حقيقته هو مادة خام للاقتصاد الثقافى فى المستقبل.

 

لكن هناك فرقًا جوهريًا بين امتلاك التراث وامتلاك صناعة مبنية على التراث.

 

يمكن للحكاية التاريخية أن تصبح رواية، ثم فيلمًا أو مسلسلًا، ثم رسومًا متحركة، ثم لعبة إلكترونية، ثم كتاب أطفال، ثم مادة تعليمية، ثم معرضًا أو تجربة رقمية، ثم منتجًا سياحيًا أو تصميميًا.

 

وهنا لا يكون التراث قد تحول إلى سلعة بالضرورة؛ بل يكون قد دخل في " دورة إنتاج ثقافي معاصر تحفظ معناه وتخلق حوله قيمة جديدة".

يؤكد ذلك تقرير اليونسكو للسياسات الثقافية إلى أن الصناعات الثقافية والإبداعية تؤدي دورًا في حماية التراث وتجديده، وفي دعم السياحة الثقافية، وفي تطوير التصميم والتجارب الثقافية، مع استمرار مشكلات القياس والتمويل وإدارة الملكية الفكرية. ([UNESCO][7])

 

الثقافة الرقمية: لا يكفي أن نمتلك المحتوى

في العصر الرقمي، لم يعد امتلاك المحتوى كافيًا، فالقيمة تنشأ من القدرة على:

رقمنة المحتوى → فهرسته → حفظ حقوقه → تسويقه → توزيعه → ترخيصه → قياس استخدامه.

ولهذا فإن مصر تحتاج إلى منصات رقمية قادرة على تحويل جزء من رصيدها الثقافي إلى أصول رقمية قابلة للتوزيع والاستثمار عالميًا.

والأمر لا يتعلق فقط بإنشاء "منصة مصرية"، وإنما ببناء (بنية تحتية وطنية للحقوق والبيانات والتوزيع الرقمي).

 

الثقافة والسياحة: قيمة أكبر من سعر التذكرة

هناك قيمة اقتصادية أخرى لا تظهر دائمًا في حسابات الثقافة نفسها، فالفيلم أو المهرجان أو المعرض أو الحرفة أو العمارة التاريخية يمكن أن تؤثر في:

قرار توجه السائح إلى مصر ومدة إقامته ومستوى انفاقه، واختياره للمدينة التى سيبدأ منها أو سيقيم فيها للتجول وشراء المنتجات الثقافية، والمشاركة فى تجاربها، وبالطبع عدد زياراته للمتاحف والمواقع الأثرية

وتشير اليونسكو إلى أن السياحة الثقافية في 250" مدينة" حول العالم أثمرت نحو "741.3 مليار دولار في عام 2023"، في سياق إبرازها للدور الاقتصادي الأوسع للصناعات الثقافية والإبداعية. ([UNESCO][7])

وهذا يفتح أمام مصر فرصة كبيرة لربط الثقافة والسياحة في منظومة واحدة، بدل التعامل معهما كقطاعين منفصلين.

 

-          لماذا نحتاج إلى "الخريطة الاقتصادية للصناعات الثقافية المصرية"؟

قبل أن نضع أهدافًا بالمليارات، علينا أن نعرف نقطة البداية، نحتاج إلى خريطة وطنية تجيب عن أسئلة تبدو بسيطة لكنها شديدة الأهمية:

من ينتج؟ من يملك الحقوق؟ من يمول؟ من يوزع؟ من يصدر؟ كم تبلغ الإيرادات بالتقريب؟ كم عدد العاملين فى هذه الصناعة بمجالاتها المتعددة؟ كم حجم الصادرات؟ أين تتعطل سلسلة القيمة؟ وأين تتسرب القيمة الاقتصادية؟

هذه الخريطة هي الخطوة الأولى نحو سياسة ثقافية قابلة للقياس.

 

خارطة طريق لبناء الاقتصاد الإبداعي المصري:

 

انطلاقًا من "رؤية مصر 2030"، التي تتضمن محورًا ثقافيًا وأهدافًا لزيادة مساهمة الصناعات الثقافية في الناتج المحلي وزيادة عدد العاملين المؤهلين فيها، يمكن الانتقال من الاعتراف بأهمية القطاع إلى بناء منظومة اقتصادية متكاملة. وتشير منصة اليونسكو لمتابعة السياسات إلى أن الجزء الثقافي من رؤية مصر 2030 يتضمن بالفعل هدف زيادة مساهمة الصناعات الثقافية في الناتج المحلي سنويًا، إلى جانب مبادرات للتدريب والحرف والسينما داخل قصور الثقافة. ([UNESCO][8])

 

وأقترح هذه خطوات:

-     إطلاق الحساب الفرعي القومي للصناعات الثقافية والإبداعية لتوفير بيانات رسمية سنوية قابلة للمقارنة دوليًا.

-          إنشاء الخريطة الوطنية للمنشآت والمهارات الإبداعية.

-         قاعدة بيانات للشركات والاستوديوهات ودور النشر والمبدعين والحرفيين والمهنيين.

-    إنشاء السجل الوطني للأصول الثقافية والحقوق لتحديد ملكية الأرشيفات والأعمال، وحالتها القانونية، وإمكانات استثمارها وترخيصها.

-     تأسيس الصندوق المصري للاقتصاد الإبداعي بمشاركة الدولة والقطاع الخاص والمؤسسات المالية، مع توجيه جزء من الاستثمارات إلى المشروعات القابلة للتوسع والتصدير.

-    تطوير أدوات تمويل الملكية الفكرية بما يسمح، وفق الإطار القانوني، بتمويل مشروعات تستند إلى حقوق وتدفقات مستقبلية قابلة للإثبات.

-    إطلاق برامج تحويل التراث إلى منتجات معاصرة من خلال "تحالفات" تجمع المؤرخين والباحثين والفنانين والمصممين والمطورين ورواد الأعمال.

-    بناء استراتيجية للتصدير الثقافي بحيث لا يقتصر الدعم العام على إنتاج العمل، بل يشمل قابلية التوزيع الدولي، والترجمة، والتسويق، وحماية الحقوق.

-    إنشاء سوق مصرية احترافية للحقوق الثقافية، منصة لبيع وترخيص النصوص والأفلام والموسيقى والتصاميم والحقوق المشتقة، مع قواعد واضحة للملكية والتعاقد.

-    الربط الهيكلي بين الثقافة والسياحة، بحيث يصبح المحتوى الثقافي جزءًا من استراتيجية جذب السائح وتمديد إقامته وزيادة إنفاقه.

-          اعتماد مؤشرات أداء سنوية لا تقيس النجاح بعدد المهرجانات والفعاليات فقط، وإنما عبر:

"القيمة المضافة + العمالة + الصادرات + الاستثمار + عوائد الملكية الفكرية + عدد الأصول الثقافية المستثمرة".

 

الثقافة العالمية لا تقبل القطاعات الهامشية:

تكتسب هذه الرؤية أهميتها عندما نضعها في سياق عالمي، فاليونسكو تشير في تقريرها العالمي للسياسات الثقافية لعام 2025 إلى أن الصناعات الثقافية والإبداعية تولد في المتوسط نحو "3,39% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي و 3,55% من إجمالي العمالة"، كما تؤكد أن مساهمة القطاع كثيرًا ما تكون أقل من التقدير الحقيقي بسبب مشكلات القياس، والعمل غير الرسمي، وضعف إدارة الملكية الفكرية. ([UNESCO][3])

وهذه الأرقام لا تعني أن مصر يجب أن تطمح ببساطة إلى نسخ نسبة عالمية أو تقليد دولة أخرى، بل تعني شيئًا أكثر أهمية:

هناك قطاع اقتصادي عالمي قائم بالفعل، ومصر تمتلك بعض أهم عناصره الأولية، لكنها تحتاج إلى بناء منظومة وطنية قادرة على قياسه وتنميته.

 

من دعم الفنان إلى بناء الصناعة:

إن هدف الاقتصاد الإبداعي ليس تسليع الفن، ولا إخضاع القيمة الإنسانية والثقافية لمنطق الربح المادي المجرد، فالفن يظل أداة لتشكيل الوعي، وحفظ الذاكرة، وصياغة الهوية، وإنتاج المعنى، لكن بناء نظام اقتصادي عادل حول العمل الإبداعي هو في الوقت نفسه ضمانة لحماية المبدع، وتوفير حياة كريمة له، واستدامة المؤسسات الثقافية، وإتاحة إعادة الاستثمار في الإبداع.

 

إن مصر لا تحتاج إلى أن تبحث عن ثروة ثقافية جديدة، لأنهاموجودة بالفعل، في الأفلام التي صنعت تاريخ السينما؛ في الأغنيات والتسجيلات التي حفظت ذاكرة أجيال؛ في الكتب والمخطوطات، في المسرح، في الصحافة والإذاعة والتلفزيون، في العمارة، في الحرف، وفي الحكايات الشعبية.

وفي التراث المادي وغير المادي الذي لم يدخل بعد في دورة اقتصادية معاصرة بالقدر الذي يستحقه.

المطلوب هو أن ننتقل من "امتلاك الأصل"  إلى إدارته، ومن إنتاج العمل إلى تفعيل دورة حياته، ومن حماية التراث إلى استثماره بصورة مسؤولة، ومن دعم المبدع فقط إلى بناء الصناعة التي تحميه وتوسع سوقه.

فالسؤال الذي يجب أن يحكم السياسة الثقافية المصرية في العقد المقبل ليس:

"كم تكلفنا الثقافة؟"

بل:

"كم قيمة يمكن أن تولدها الثقافة المصرية، وكم منها يعود إلى المبدع، وكم منها يبقى في الاقتصاد الوطني؟

وهنا، ربما تبدأ للمرة الأولى الإجابة الحقيقية عن السؤال الذي طرحناه في البداية:

"كم تساوي الثقافة المصرية في السوق المحلي والعالمي؟"

الحقيقة إننا لا نعرف الرقم بعد، لكننا نعرف الآن أن من واجبنا قياسه.

 

المصادر والمراجع

1-      World Intellectual Property Organization (WIPO). *Copyright-Based Industries: Assessing Their Weight.* WIPO Magazine, 30 May 2005.

لقياس المساهمة الاقتصادية للصناعات القائمة على حق المؤلف من خلال القيمة المضافة، والعمالة، والتجارة الدولية، وتصنيف الصناعات إلى أساسية، ومترابطة، وجزئية، ومساندة.

WIPO – Copyright-Based Industries: Assessing Their Weight](https://www.wipo.int/en/web/wipo-magazine/articles/copyright-based-industries-assessing-their-weight-34837?utm_source=chatgpt.com

 

2-       World Intellectual Property Organization (WIPO). *Performance of Copyright Industries in Selected Arab Countries: Egypt, Jordan, Lebanon, Morocco, Tunisia.* WIPO Publication No. 916(E). Geneva: WIPO, 2003. ISBN 978-92-805-1316-1.

الدراسة الإقليمية التي تناولت الصناعات القائمة على حق المؤلف في خمس دول عربية، ومن بينها مصر. وتُستخدم في المقال بوصفها مرجعًا تاريخيًا ومنهجيًا، لا بوصفها قياسًا حديثًا للاقتصاد الإبداعي المصري.

WIPO Knowledge Repository – Performance of Copyright Industries in Selected Arab Countries](https://tind.wipo.int/record/27231?utm_source=chatgpt.com

 

3-      World Intellectual Property Organization (WIPO). *Global Innovation Index 2025: Egypt – Economy Profile.* Geneva: WIPO, 2025.

المصدر المعتمد لبيانات مصر المتعلقة بحجم السوق المحلي، وصادرات السلع الإبداعية، وإنتاج الأفلام الطويلة، وسوق الترفيه والإعلام.

WIPO – Egypt, Global Innovation Index 2025](https://www.wipo.int/gii-ranking/en/egypt/section/economy-profile?utm_source=chatgpt.com

 

4-       World Bank. Istuk, Ivor & Zhu, Juni Tingting. *Unlocking Finance for Creative Industries.* 11 June 2025.

المصدر المستخدم لبيانات الاقتصاد الإبداعي العالمي، بما في ذلك تقدير الإيرادات العالمية بنحو تريليوني دولار ودعم أكثر من 50 مليون وظيفة، ولتوضيح تحديات تمويل المشروعات الإبداعية.

World Bank – Unlocking Finance for Creative Industries](https://blogs.worldbank.org/en/psd/unlocking-finance-for-creative-industries?utm_source=chatgpt.com

 

5-       UNESCO. *Culture: The Missing SDG – Global Report on Cultural Policies.* Paris: UNESCO, 2025.

التقرير العالمي للسياسات الثقافية، ويقدم تحليلًا عالميًا للدور الاقتصادي والتنموي للصناعات الثقافية والإبداعية، وعلاقتها بالتراث والسياحة الثقافية والاقتصاد الرقمي والملكية الفكرية.

UNESCO – Global Report on Cultural Policies](https://www.unesco.org/en/culture/global-report?utm_source=chatgpt.com

 

6-       UNESCO. *Cultural Segment of Egypt’s Vision 2030.* Policy Monitoring Platform. UNESCO, 2024.

المصدر الخاص بالجزء الثقافي من رؤية مصر 2030، بما في ذلك هدف زيادة مساهمة الصناعات الثقافية في الناتج المحلي، وتنمية المهارات، والحرف، والبنية التحتية الثقافية والسينمائية.

UNESCO – Cultural Segment of Egypt’s Vision 2030](https://www.unesco.org/creativity/en/policy-monitoring-platform/cultural-segment-egypts-vision-2030?utm_source=chatgpt.com

 

7-       UNESCO. *Global Report on Cultural Policies – Chapter 4: Enabling an Inclusive and Sustainable Cultural Ecosystem and Driving Economic Development.* Paris: UNESCO, 2025.

المصدر المباشر لبيانات السياحة الثقافية، ومنها تقدير إيرادات السياحة الثقافية في 250 مدينة بنحو  741,3 مليار دولار عام 2023.

UNESCO – Chapter 4: Cultural Ecosystem and Economic Development](https://www.unesco.org/en/culture/global-report/global-report-cultural-policies/chapter-4?utm_source=chatgpt.com

 

8-       UNESCO. *Culture: The Missing SDG – Global Report on Cultural Policies, Key Facts and Figures.* Paris: UNESCO, 2025.

المصدر المباشر لتقدير مساهمة الصناعات الثقافية والإبداعية بنحو 3.39% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي و3.55% من إجمالي العمالة، مع الإشارة إلى تحديات القياس والعمل غير الرسمي وإدارة الملكية الفكرية.

UNESCO – Global Report on Cultural Policies: Key Facts and Figures](https://www.unesco.org/en/culture/global-report?utm_source=chatgpt.com