فيلق الإبل: لأحمد السماري.. تاريخ وسيرة وآراء

بقلم / د. عبد الله الشاهر
فيلق الإبل: لأحمد السماري.. تاريخ وسيرة وآراء

فيلق الإبل: لأحمد السماري.. تاريخ وسيرة وآراء


بقلم / د. عبد الله الشاهر

كاتب وناقد سوري


منذ البداية تبدأ الرواية بنصب شراكها للقراء، منذ العتبات الأولى بما حملته من محفزات الجذب والتشويق، من خلال شخصية أساسية ومحورية كانت ساردة وراوية في الوقت نفسه. فقد حمّل الروائي بطل الرواية عبء الحياة من خلال حادثة لا ناقة له فيها ولا جمل، ليكون “مناور” البطل المطلق للحدث، والسارد المتفرد لمفردات ما جرى معه عبر رحلة طويلة وقاسية امتدت زمنًا واتسعت جغرافيًا.

ولا نستطيع أن نحصر مضمون الرواية في الأحداث والسير والحكايات التي سردها بطلها على هيئة حكائيات تجاوزت سبع عشرة حكاية، داخل الحدث الأساسي وتحت سقف العنوان الرئيس “فيلق الإبل”. وقد أسهمت هذه الحكائيات في تطوير الحدث وتعزيز السردية الأساسية للمتن الروائي، لذلك جاء العنوان عريضًا وواسعًا جغرافيًا وحكائيًا، بينما كان المضمون رحلة تجوال تحت ظلال هذا العنوان، استطاع الروائي من خلالها أن يرسم الملامح العامة للمسالك التي نعبرها عبر ذاكرة نشطة وهوية حاضرة، وصولًا إلى الولايات المتحدة الأمريكية في سياق خط سير الرواية.

أما المقصد الثاني من جوهر الرواية فيحمل مضامين عميقة، ولا ينبغي للقارئ أن يقع في الالتباس أو يكتفي بالمعنى المعجمي للعنوان؛ إذ تغوص الرواية في مرحلة شبه منسية من التاريخين السعودي والأمريكي، أخرجها الروائي أحمد السماري إلى النور بحرفية عالية. وعلى الرغم من نضج الرواية من حيث الأفكار والحبكة، فإنها انتهجت أسلوب الكتابة الكلاسيكية المتتابعة.

تدور معظم أحداث الرواية في وسط الجزيرة العربية (نجد)، وإن عرّجت في بعض مفاصلها على بلاد الشام ومصر والعراق وإسبانيا، وصولًا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك لضرورة اكتمال الحدث الروائي. غير أن البداية والنهاية كانتا في الجزيرة العربية (أقليم نجد) ، حيث اغترف الكاتب من بئر البيئة السعودية، واستلهم موروثها الذي أحسن عرضه وتوظيفه، ثم أدخله في نسيج الحدث الروائي.

وللأمانة، فإن الرواية زاخرة بالأحداث المثيرة، وتفيض بالخفايا والمعلومات المهمة، وهو ما يمنحها قدرة واضحة على توثيق ما جرى من أحداث، مثل الغزو على قافلة الحجاج، وكيف تعاملت الدولة السعودية معه آنذاك، إلى جانب التأريخ لحوادث مرت في تلك المرحلة، فجاء الفعل الروائي مؤديًا لهذه المهمة بكفاءة. وقد سرد الروائي ما له وما عليه، حتى بدت الرواية غيضًا من فيض من مخزون ثري وذاكرة تصويرية دقيقة، تصلح لأن تكون شهادة صادقة على تلك المرحلة؛ لما احتوته من تفاصيل مهمة وغير معروفة لمن يبحث في تاريخ البادية، وعلاقة الإنسان بالإبل، والتحولات الديموغرافية المرتبطة بها. كما حفلت ببوح صادق ووجع إنساني ومشاعر متدفقة تنبض بها خلجات الكاتب.

وتبرز في الرواية مجموعة من السمات التي تكشف عن رؤية الروائي العميقة والواعية لما يكتب. فقد قدّم وصفًا دقيقًا للحياة في البادية، على المستوى الشخصي والاجتماعي، كما في قوله: "مرت الأيام الثلاثة بطيئة اللحظات، كئيبة المزاج على مناور، وحضوره في المضارب نادر، يخرج كل يوم للقنص لكنه لم يقنص شيئًا، يسرح وهو على سرج فرسه، حتى يجد نفسه في حمادة بعيدة، ثم يلجأ إلى غار في جبل بعيد…" (ص14).



كما يطرح الروائي تساؤلات فلسفية حول الثأر والعقوبات المترتبة على القتل، حين يقول على لسان مناور: "يسأل مناور نفسه: من الذي انتصر، القاتل أم المقتول؟ الحي الذي يحمل هموم الدنيا، أم الميت المرتاح في قبره، لا يقلق ولا يحزن ولا يخاف من مقبلات الأيام وأحكام أقدارها؟" (ص14). وهي رؤية تفتح باب التأمل في مفهوم الثأر وآثاره على المجتمع.

ويقدّم الكاتب أيضًا رأيًا واضحًا في حياة البداوة بقوله: "تمضي حياة البداوة من جهالة إلى جهالة، حتى يغدو الفكاك من طوقها مستحيلًا إلا بقفزة هائلة في الخيال، أو بتغيير نظام حياتهم البائسة التي سطا عليها الجهل والعادات البالية، وتحولت لتكون أهم قيمهم" (ص19).

وفي موضوع الغزو بين القبائل، يلفت الروائي النظر إلى مفارقات التبرير، إذ يقول: "يحللونه كما تشتهي أنفسهم، فيبدلون المفردات، فمثلًا يطلقون على النهب اسم الكسب أو المكسب، فيصبح ذلك مستساغًا" (ص31)، وهي إشارة ذكية إلى آليات تزييف الوعي وتجميل الأفعال.

ومن الجوانب اللافتة أيضًا توظيف عدد من المفردات المحلية في السياق السردي، مثل: "الحنشل، سوق الحلال، الوجار…" وغيرها، وهي مفردات أضفت على الرواية سياقًا بيئيًا أصيلًا، وأسهمت في بناء مشهدية مؤثرة تنقل القارئ إلى قلب البيئة التي تدور فيها الأحداث.

كما منح الروائي الكلب "شعيفان" دورًا مؤثرًا في مجرى الأحداث، فجعل منه رفيقًا دائمًا لمناور، يحمل قيم الوفاء والمتابعة والملازمة، وأسهم حضوره في صنع عدد من المواقف المهمة، في دلالة واضحة على مكانة هذا الرفيق في حياة أهل الصحراء.

وعندما يصل فيلق الإبل إلى أمريكا، وتحديدًا إلى جزيرة "كاسل غاردن"، تبدأ مرحلة جديدة من الحكاية، مع الجمالة بقيادة الجنرال هايسلوب و الحاج علي، حيث يفتح الراوي أمام القارئ أبوابًا جديدة من القصص والأحداث. وعلى الرغم من أن الرواية مستلهمة من وقائع تاريخية حقيقية، فإن شخصياتها من صنع خيال الروائي، وقد نجح في دمجها داخل السرد إلى درجة تجعل القارئ يتعامل معها على أنها شخصيات حية تنتمي إلى الواقع الحقيقي للحكاية.

وأعتقد أن هذا النوع من الكتابة السردية مؤهل للتحول إلى عمل درامي وسينمائي؛ لما يمتلكه من عمق في السرد، وغنى في التصوير، وقدرة على بناء مشاهد وشخصيات تتيح كتابة سيناريوهات متعددة، متى ما توافرت الظروف الفنية والإنتاجية المناسبة.

رواية "فيلق الإبل"، صادرة عن دار تشكيل للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، الطبعة الثانية ،2026، 177 صفحة من القطع المتوسط.

شاعر وناقد سوري، وأستاذ في جامعة دمشق.