أسئلة الكتابة الروائية وتحولاتها في كتاب جديد لهيثم حسين
كاد يعدم فى ليبيا وأنقذه القذافى عبد العزيز تاج.. راهب الكاريكاتير الذي يطارد العفاريت
تامر صلاح الدين
تأتي بعض السير لتكون شاهداً حياً على تحولات أمة كاملة؛ تتسلل من حواري القرى والمدن لتترك بصمة لا تُمحى؛ وفي تاريخ الفن الصحفي المصرى والعربي، يصبح الفنان الكبير عبد العزيز تاج (المولود عام 1945) بوصفه ظاهرة تشكيلية استثنائية امتدت لما يقرب من سبعين عاماً، وعموداً فقرياً في الجيل الثالث لرسامى الكاريكاتير الذبن صنعوا من "السخرية" سلاحاً إنسانياً وسياسيا شامخاً.
Taj
البداية مع "عفاريت المولد":
تبدأ الحكاية فى قلب دلتا مصر الولادة، من عروس النيل أو "بوتو فى العصور القديمة والتى كانت عاصمة مملكة الشمال قبل توحيد القطر المصرى حوالى 3200 سنة قبل الميلاد، هى إذن "دسوق" العريقة، الأولياء والنيل، المخابز ومطابخ المشبك، الفسيخ المميز والأسماك المملحة، الموالد والطرق الصوفية والجزر النيلية، والحقول والبراح والطمأنينة، هنا عاش و
ينع الإمام إبراهيم الدسوقى القطب الصوفي الكبير ومؤسس الطريقة الدسوقية، والشيخ محمد عبد الله دراز المفكر الإسلامي الكبير والعالم الأزهري اللامع، الكاتب الصحفي عبد الوهاب مطاوع صاحب بريد الأهرام الشهير وأحد رواد الأدب الإنساني، كذلك الفنان محمد الدفراوى الممثل القدير وصاحب البصمة المميزة في السينما والدراما المصرية والدكتور أحمد زويل الذى ولد بمدينة دمنهور وتلقى كل مراحل تعليمه حتى المرحلة الثانوية بمدارس مدينة دسوق، أيضا الفنانة التشكيلية إيفلين عشم الله، وهى واحدة من أبرز الأسماء الفنية في الحركة التشكيلية وغيرهم الكثيرون.
هناك، ولد ونشأ الفنان التشكيلى ورسام الكاريكاتير البارز عبد العزيز تاج وفي طفولته المبكرة لم يلفت انتباهه ألعاب الساحر ولا أضواء الأرجوز في مولد "سيدي إبراهيم الدسوقي"، بل كانت تلتصق عيناه شغفا بذاك العالم السحري الممتد على القماش: سرادقات المسارح وإعلانات الملاهى الضخمة.
كان تاج يقف ساعات متأملاً الخطوط والألوان في لوحات سيرك "عايدة صابر"، وسيرك "عاكف"، و"الحلو". يحفظ أسماء الرسامين المجهولين الذين يجسدون الأسود والحيوانات المفترسة والمنولوجست "حمامة العطار"، ثم يعود إلى بيته ليعيد رسم تلك المشاهد من ذاكرته المتوهجة. كانت تلك اللوحات الشقية الملتهبة عميقة التكوين - التي أطلق عليها الصبى مجلة "العفاريت"- هي المطبخ الفني الأول الذي شَكَّل وجدانه.
في المرحلة الإعدادية بـ "مدرسة النجاح"، تجسد هذا الشغف المبكر في موقف محفور بالذاكرة؛ رسم تاج لوحة بمناسبة عيد الأم، تصور سيدة ممتلئة تمثل الأمومة، ويحيط بها عظماء العالم في ذلك الوقت: جمال عبد الناصر، تيتو، نهرو، وسوكارنو، تعبيراً عن أن الأم هي صانعة هؤلاء الرجال، غير أن اللوحة سُرقت منه؛ إذ أعجب بها مدرس الرسم، وأقتنع تلميذه أنه سيشارك بها فى مسابقة للرسم، ثم اكتشف تاج أثناء زيارة مفاجئة لبيت معلمه، أن لوحته علقت داخل برواز فخم في الصالون، ليس هذا وحسب، بل كانت ممهورة بتوقيعه المدرس نفسه، تلك الصدمة كانت الوقود الذي جعله يصر على أن يصنع لنفسه خطاً وتوقيعاً لا يستطيع أحد في العالم سرقته أو تقليده.
الطريق إلى القاهرة؛ راديو مكسور وأول راتب:
حين جاء موعد الدراسة الجامعية، كان المنطق الأقرب يفرض عليه الالتحاق بكلية الفنون الجميلة بالإسكندرية المجاورة لمسقط رأسه، لكن تاج حزم أمتعته باتجاه القاهرة، كان حلمه المشتعل هو "الصحافة"، التحق بقسم الجرافيك بكلية الفنون الجميلة لأن منه يأتى الرسام والمخرج الصحفي الشامل.
وفي العاصمة، بدأت رحلة الكفاح والصدفة والشهرة؛ راسل باب "نادى الرسامين" بمجلة صباح الخير، ونشر رسومه أسبوعياً في جريدة الحقائق التي كان يرأس تحريرها أنور زغلوك، ومجلة ألوان، وفي كواليس جريدة الحقائق، وقعت حادثة درامية؛ كان تاج يسهر للرسم بجوار خطاط الجريدة العجوز "عم حسني". اشترى تاج راديو صغيراً من سوق سوريا لتسليته أثناء العمل، وما إن انطلق صوت المذيع يعلن عن حفل "نجاة الصغيرة"، حتى جن جنون الخطاط العجوز، فأمسك بالراديو وقذفه نحو الحائط ليتحول إلى جثة هامدة، اندهش تاج لكنه ظل صامتا، فيما بعد علم أن الخطاط ذو المظهر البسيط هو والد نجاة الصغيرة، وأن بينهما خلافا عائليا مريرا فتح "الحفل" المذاع جراحه.
لم تتوقف الدراما عند الراديو المكسور، فعندما جاء أول الشهر يطالب براتبه، منح رئيس التحرير تاج ثلاثة جنيهات من جيبه الخاص، وفي اليوم التالي أُلقي القبض على رئيس التحرير في قضية سياسية، وإغلقت المجلة، ليجد الرسام الشاب نفسه في الشارع بلا عمل، لكن طوق النجاة جاء سريعاً عبر الكاتب ومكتشف النجوم حسن فؤاد، الذي ألحقه بمجلة صباح الخير كرسام محترف براتب شهري قدره 12 جنيهاً وهو لا يزال طالباً، ليرسم غلاف "حكايات صباح الخير" التي كتبها كبار أدباء مصر.
"عصير" العندليب وبرواز صلاح جاهين:
في أروقة الصحافة، نشأت صلة إنسانية وفنية عميقة بين عبد العزيز تاج والكاتب الكبير صلاح جاهين، يذكر تاج أنه في أحد الأيام كان يجلس بجوار جاهين وهو يكتب قصيدته الخالدة "صورة"، فسأله جاهين: "تعتقد مين يرسمها يا أبو التيجان؟"، فرد تاج فوراً: "زهدي". وبالفعل، رسم الشيخ زهدي القصيدة، فيما تولى تاج رسم البرواز الزخرفي المحيط بها.
ولم تتوقف المفاجأة عند هذا الحد، إذ أصر جاهين على اصطحاب التلميذ الشاب في تاكسي إلى الزمالك، ليدخلا شقة الفنان عبد الحليم حافظ، حيث كانت الفرقة الموسيقية وبحضور الموسيقار كمال الطويل تستعد لعمل بروفة أغنية "صورة". وقدمه جاهين للجميع قائلاً: *"ده تلميذي النجيب" ليقوم العندليب الأسمر بنفسه ويسكب لتاج كاساً من عصير البرتقال.
ثلاثة أحلام تتحقق:
"علاقتي بتاج بدأت من 55 سنة.. كنا نقعد في الفسحة ثلاثة: العبد الفقير محمود الجندي قلت أبقى ممثل، وتاج قال فنان صحفي، ومحمد سيف الدين قال عاوز أبقى وزير.. العمر جرى وتحققت أحلامنا، وتاج ليس مجرد صديق، إنه جزء مني يوجعني لو انفصل عني، لكن صديقنا الثالث غرق في أمواج السياسة ودسائسها برغم أنه يستحق يبقى وزير" الممثل الراحل محمود الجندي
حين تهز الريشة عروش السياسة:
ينتمي عبد العزيز تاج لمدرسة روزا اليوسف؛ التي تفترض في رسام الكاريكاتير أن يكون مفكراً وصاحب رأي مستقل، وليس مجرد منفذ لأفكار الكُتاب. وقد تجلى هذا المبدأ الصارم في محطات سياسية نارية:
أزمة بيجين مع السادات: أثناء عمله بجريدة الجمهورية، وفي غمرة الترتيبات الدبلوماسية لمعاهدة السلام في عهد الرئيس أنور السادات، استيقظ تاج ليلةً على نشرة الأخبار من إذاعة مونت كارلو تعلن عن أزمة دبلوماسية حادة بين القاهرة وتل أبيب. والسبب؟ رسم كاريكاتيري لتاج اتهم فيه مناحم بيجين بالنازية، بعدما شبهه "بهتلر" احتجت إدارة "الكيان" فصدر قرار "سياسى وإنسانى" من الرئيس السادات بإيقافه عن العمل لمدة شهر مع استمرار صرف راتبه، ليصبح أول رسام تتسبب ريشته في تجميد صحفي من أعلى سلطة في الدولة.
نجاة من الإعدام في ليبيا: في الثمانينيات، قدم تاج برنامجاً تلفزيونياً ساخراً باسم "بسمة" في ليبيا حقق نجاحاً مدوياً، وفي إحدى الليالي، اقتادته أجهزة الأمن للتحقيق بتهمة رسم العقيد معمر القذافي داخل البرنامج- وهي تهمة عقوبتها الإعدام الفوري، ظل تاج محتجزاً حتى علم القذافي بالواقعة، فتدخل شخصياً وقال لرجاله: "أنا أعرفه جيداً واستبعد أن يفعل ذلك عمدا"، ليتم الإفراج عنه فوراً.
مدرسة بغير تلاميذ:
يجمع خبراء الفن التشكيلي على أن عبد العزيز تاج يقف في منطقة منفردة؛ فهو "ناظر وتلميذ في مدرسته الخاصة". تميزت خطوطه الحادة المستقيمة بالطابع العرائسي، والتفاصيل الزخرفية الدقيقة على ملابس الشخصيات، واستخدام الفراغ والكسر المتزن للنسب الفنية.
قال عنه شيخ الرسامين زهدي: "إن فن تاج هو التطور الطبيعي لرسوم الكاريكاتير" بينما أكد عملاق الكاريكاتير مصطفى حسين أن خطوط تاج البسيطة تبهره وتشعره بالسعادة، مشيراً إلى أنه الرسام الوحيد الذي يهتم بكتابة "بالونة الكلام" بشياكة وزخرفة تجعل الكاريكاتير لوحة زيتية متكاملة العناصر أو ما يمكن تسميته "كاريكاتير كامل الدسم".
طفل كبير يحب البحر:
رغم الأضواء والشهرة والتاريخ الطويل في مجلة كاريكاتير وزمالته لكبار المبدعين أمثال جورج بهجوري، محيي الدين اللباد، حجازي، وأحمد رجب، ظل تاج يحمل في داخله روح طفل شقي؛ تسعده الكلمة الصادقة، ويغضبه التجاهل، وسرعان ما يعود إلى صفائه النفسي وتسامحه المطلق.
مع تقدم العمر، واحتراق أصابعه بسجائر منفضة الرمل أثناء استغراقه في الرسم، قرر الفنان الكبير أن يمارس زهد الرهبان، اختار الانعزال فى ضاحية "العجمي" بالإسكندرية؛ ليبتعد عن صخب العاصمة وزحامها الذي لم يعد يتسع لضحكته الصافية، يكتفي بطلة هادئة على البحر، ويرسل إبداعاته من بعيد إلى القراء الذين يعرفون ريشته بمجرد النظر إلى أي سنتيمتر مربع منها دون الحاجة لقراءة التوقيع.
بطبيعة الحال، هناك محطات شديدة الأهمية فى حياة تاج المهنية، تنقل خلالها بين عدة دول عربية وأجنبية، وقدم برامج تليفزيونية شهيرة، لكن لهذا حديث آخر لأن عبد العزيز تاج ليس مجرد رسام كاريكاتير مر في تاريخ الصحافة المصرية، بل هو "صاحب رسمة" حفر خطوطها بعرق الصبا، وظل طوال رحلته يمارس أسمى وأشرف مهنة: أن يمنح الناسي ضحكة صادقة في زمن يُضحك المر فيه الناس.
موضوعات ذات صلة
أسئلة الكتابة الروائية وتحولاتها في كتاب جديد لهيثم حسين
راوي الشارقة يستقرئ تحولات الصداقة بين الذاكرة الشعبية والحكاية والمكان
اكتشاف أثري مثير في الداخلة.. مقبرة هرمية رومانية بمدخل حجري فريد ومرثية يونانية عمرها 1700 عام
باحثون من 28 دولة في ملتقى الشارقة الدولي للراوي الصداقة في تراث الشعوب بملتقى الشارقة الدولي للراوي
مصر تشارك في منتدى سان بطرسبورج الدولي الثاني عشر للثقافات المتحدة تحت شعار الثقافات المتحدة .. القيم المشتركة
قصور الثقافة تعيد إصدار سلسلة كاتب ورسام صغير لإبداعات الأطفال.. وتلقي الأعمال أكتوبر المقبل
الثلاثاء.. صالون الثقافة الجماهيرية بالإسكندرية يناقش مخاطر الهجرة غير الشرعية
شعر وأغاني تراثية وفنون شعبية في فعاليات شارع الفن بالإسكندرية
الفنون التشكيلية يعلن عن عودة صالون الأعمال الفنية الصغيرة ويكشف عن شروط التقديم
نرشح لك
الأدب السوداني في زمن الحرب في العدد الجديد من مجلة مصر المحروسة
زعفرانة فى مختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية
مهذل الصقور: نار القصيدة وظمأ العاشق
من سينما الواقع إلى كوميديا الضحك المأساوى: سيتفانو جانينى يبرز المعنى فى لقاء ثقافى بالأسكندرية
من قصر الرئاسة فى الخرطوم إلى الكيت كات: لماذا أهدى جعفر نميرى الحلوى إلى طفلة مصرية؟
ماركو والجثة الهاربة فى مختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية
لماذا يحتاج الرجل إلى المرأة؟ نظرة فى الجنس والغريزة والجسد
أنا ذئب كان فى مختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية
رواية الذكاء الاصطناعي فى مختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية
فجر أيلول فى مختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية