من الفكرة إلى الأثر: إنجازات تلهم العالم بجائزة محمد بن راشد آل مكتوم «قمة المعرفة»

حجاج سلامة
من الفكرة إلى الأثر: إنجازات تلهم العالم بجائزة محمد بن راشد آل مكتوم «قمة المعرفة»




 تواصل جائزة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة ترسيخ دورها في تكريم المبدعين وأصحاب الإنجازات المعرفية، وتسليط الضوء على التجارب التي تسهم في تطوير المعرفة وتوظيفها لخدمة الإنسان والمجتمع. ومع اقتراب دورتها التاسعة التي ستقام ضمن فعاليات النسخة الخاصة من "قمَّة المعرفة" المقرر تنظيمها في دبي، تبرز إنجازات الفائزين في النسخة الثامنة التي قدَّمت نماذجَ ملهمة لقدرة المعرفة على إحداث أثر يتجاوز حدود التخصصات، من حفظ التراث الإنساني واستكشاف أسرار الكون، إلى تطوير التعليم الرقمي والارتقاء بوسائل علاج الصحة النفسية.

​وكانت النسخة الأخيرة من الجائزة قد احتفت بخمسة روّاد تركوا بصمات مؤثرة في مجالات معرفية متنوعة، هم معالي جمعة الماجد، والدكتور أحمد عيد المهيري، والدكتور أندرو إنغ، والدكتور ديفيد كلارك، والدكتورة أنكه إيلرز. إذ جسَّدت إنجازاتهم قدرة المعرفة على الانتقال من الفكرة والبحث إلى تطبيقات ومشاريع تُحدث أثراً ملموساً في حياة الإنسان.

​من شغف بالكتاب إلى مشروع مؤسسي يحفظ ذاكرة الإنسان، امتدت مسيرة  جمعة الماجد في خدمة المعرفة وصون التراث، وتُوِّجت بتكريمه بجائزة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة. وتجسَّد هذا الشغف في تأسيس مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث، الذي يعمل على جمع المخطوطات والكتب والوثائق والدوريات والمواد الرقمية، وحفظها وفهرستها وترميمها ورقمنتها، وإتاحتها للباحثين والمهتمين.

​وهكذا، تجاوزت جهود الماجد حدود اقتناء الكتب إلى بناء مشروع معرفي يصون التراث الإنساني، ويحافظ على الذاكرة المعرفية، ويتيح مصادرها للأجيال المقبلة.

​في رحلة علمية إلى أعمق أسئلة الكون، كرَّس الدكتور أحمد عيد المهيري أبحاثه لدراسة الثقوب السوداء والجاذبية والمعلومات الكمومية، وهي مجالات تقع في صميم أكثر القضايا تعقيداً في الفيزياء الحديثة. وتقديراً لإسهاماته البحثية المتقدمة، كرَّمته جائزة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة.

​وأجرى المهيري أبحاث ما بعد الدكتوراه في كلية العلوم الطبيعية بمعهد الدراسات المتقدمة في برينستون بالولايات المتحدة الأمريكية، مساهماً في دراسة الصلة بين الجاذبية وميكانيكا الكم، وطبيعة المعلومات المرتبطة بالثقوب السوداء. ويعكس مساره حضور الكفاءات الإماراتية في الأبحاث الأساسية المتقدمة، وقد تُوّجت إنجازاته بحصوله على ميدالية فخر الإمارات، وجائزة آفاق جديدة في الفيزياء (New Horizons in Physics) من مؤسَّسة بريك ثرو.

​من قاعات الجامعة إلى شاشات الملايين، سعى الدكتور أندرو إنغ إلى جعل الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة أكثر سهولة وإتاحة للمتعلمين حول العالم. وكانت دورته التعليمية في تعلُّم الآلة من خلال جامعة ستانفورد محطة بارزة في هذه المسيرة، إذ أسهمت في توسيع الوصول إلى المعرفة التقنية خارج الأوساط الأكاديمية.

​لتتوسع رؤيته بعد ذلك عبر مشاركته في تأسيس منصة "كورسيرا" ومشروع "غوغل برين"، إلى جانب تأسيس "ديب ليرننغ دوت أيه آي" التي تقدم برامج تعليمية متخصصة في الذكاء الاصطناعي وتعلّم الآلة، لتمنح مزيداً من المتعلمين فرصة اكتساب مهارات المستقبل. وتقديراً لدوره في توظيف الذكاء الاصطناعي في التعليم وإتاحة الوصول إلى المعرفة لأكبر شريحة، نال إنغ جائزة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة، احتفاءً بإسهاماته في تطوير التعليم الرقمي وتمكين المتعلمين في عصر التحول التكنولوجي.

​كيف تتحول نتائج الأبحاث النفسية إلى علاجات تُحدث فرقاً في حياة المرضى؟ شكّل هذا السؤال محوراً في مسيرة الدكتور ديفيد كلارك والدكتورة أنكه إيلرز، اللذين كرّمتهما جائزة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة تقديراً لإسهاماتهما في تطوير علاجات نفسية تستند إلى الأدلة العلمية، وتعزيز فرص الوصول إلى رعاية أكثر فاعلية.

​وعمل الباحثان على تحويل نتائج الدراسات إلى أساليب علاجية قابلة للتطبيق، تساعد المختصين والأنظمة الصحية على التعامل مع الاضطرابات النفسية وتحسين رعاية المرضى. ووفقاً لجامعة أكسفورد، مثّل تكريمهما المرة الأولى التي تُمنح فيها الجائزة لأبحاث في مجال الصحة النفسية، في تقدير يعكس أهمية تحويل المعرفة العلمية إلى حلول عملية تسهم في تحسين جودة حياة الناس.

​على اختلاف تخصصاتهم، يجمع الفائزين هدف واحد يتمثل في تحويل المعرفة إلى قيمة ملموسة؛ وتجسد هذه التجارب رسالة جائزة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة، التي انطلقت بإدارة مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة لتكريم الإنجازات المتميزة في مجالات المعرفة والابتكار، وتشجيع المبدعين على تطوير أساليب جديدة لإنتاج المعرفة ونشرها وتوظيفها. كما تؤكد أن قيمة المعرفة لا تقتصر على إنتاجها، بل تمتد إلى قدرتها على إيجاد حلول للتحديات، وتطوير المهارات، ودعم تقدم المجتمعات ورفاهية الإنسان.