باحثون من 28 دولة في ملتقى الشارقة الدولي للراوي الصداقة في تراث الشعوب بملتقى الشارقة الدولي للراوي
نص ونقد: قصة غداء عمل للقاصة سعاد عسيري قراءة نقدية بقلم القاص والكاتب هاني الحجي
تقول الكاتبة والأديبة السعودية سعاد عسيري، إنها لم تختر كتابة القصة القصيرة، ولكن القصة هي من اختارتها كاتبة لها., هنا ننشر نصاً قصصياً للعسيري التي تميزت بتعدد مواهبها وقدراتها الفنية والأدبية، حيث تمارس الفنون التشكيلية، بجانب كتابة القصة والرواية، والمقال والنقد الأدبي.
هنا ننشر نصا قصصيا لسعاد عسيري بعنوان "غداء عمل"، يتبعه قراءة نقدية بقلم الكاتب والأديب السعودي هاني الحجي.
"غداء عمل"
بدا منهمكًا في عمله. يُمسك الفوطة، يمسحُ دموعه المُعلَّقة يضعها على جانب ثمَّ يُواصل تقطيع البصل.. بينما تصاعدت أبخرة ناعمة من القِدْر الموضوع على الموقد، ثمَ ما لبثَ، واختلطت مع رائحة البصل والبهارات، وَغَام جوُّ الشُّقَّة برائحة الطبَّخ برغم مِرْوَحة الشَّفط بأعلى الجدار.
بدا فكره مشغولًا.. وثمَّة نظرة ضبابيَّة غائمة تظهَر من خلال عينيْه الدَّامعتيْن؛ تجعل ملامح وجهه محايدة تمامًا؛ فلا تستطيع أن تحدِّد ما إذا كانت تلك الدَّموع. أهيَ دُموع فرح أم حُزن أم بفعل البصل.
كلُّ المعطيات هنا تجعلنا نظنَّ أنَّه يشعر بنوع من الرَّاحة، وأن حِملًا ثقيلًا قد اِنْزاح عن صدره. إلَّا أنَّ حالة الشُّرود الذهنيِّ، وتلك النظرة الضبابيَّة، والملامح المُحايدة، واِسْتمرار اِنْبعاث الدُّموع برغم أنَّه ظلَّ يمسحها بالفُوطة، حتَّى بعدما وضع شرائح البصل في الزَّيت، وسكب عليها قطع الخُضار المُشكَّل، ومعجون الطَّماطم. كلُّ ذلك يجعلنا نُشكِّك أنَّ ثمَّة ألمٌ يعتصر روحه.
في قرارة نفسه يعلم أنَّ ما هو مُقدِمٌ عليه جُرْم. جُرْم عظيم لا يُغتَفر. لقد نجح حتَّى الآن في وضع خُطَّة مُحكمَة؛ خُطَّة شيْطانيَّة كما أسماها. إبليس نفسه ساعده في كلِّ خُطوة، وقد وعده أن يظلَّ إلى جانبه، حتَّى اِنْتهاء المُهمَّة، وتنفيذ الخُطَّة بنجاح. منذ ذلك اليوم الذي وَجَد الشَّيْطان فَجْوة في رأسه دخل منها إلى دماغه؛ ظلََّ يتلاعب به.. يهمس له.. اُتْرك أمر مُراقبتها لي.. هل سألتَ نفسكَ.
من أين لها كلّ هذه الأموال التي تصرفُها عليك؟
كلانا يعلم أنَّكَ عاطلٌ عن العمل. أنتَ مُعدَمٌ يا رجل، حتَّى الدُّخَّان هي من تجلبه لكَ. برأيكَ من دفع لكَ مُستحقَّات المِصَحِّ الذي اِستشفيْت فيه... ذلك اليوم الذي جاءت لزيارتكَ رِفقة مُديرها في العمل.
أعرفُ أنَّكَ كنتَ تريد أن تمدَّ يدكَ وتخنقهُ، لو لا أنَّكَ كنتَ مُكبَّلًا على السرير.. لا تقُل لي: أنَّكَ صدََّقتَ تلكَ الدََّمعة التي طفَرتْ من عينها.
أُؤكِّدُ لكَ: أنَّهما حالما خرجَا من عندكَ، ذهبَا إلى أقرب مطعم فتناولا وجبة عشاء دَسِمة، وأستطيعُ أن أتخيَّلَ كيف سارتِ الأمور حتَّى نهاية السَّهرة.
اِخْتفاء إنسان ليس بالأمر السَّهل، لكن بمُجرَّد أن أعلنتْ موافقتها بالارتباط به، مُتحدِّية عائلتها؛ فقد حكمت على نفسها بالوحدة.
أصبحت مقطوعة من شجرة: كما قال لها أبوها. من اليوم أنت لستِ ابنتي، ولا أعرفكِ، أنا مُتبرِّئٌ منكِ في الدُّنيا والآخرة.
تحدت عالمها لتعيش معه في عالمه الكبير. هكذا صوَّر لها خيالها العاشق.
لم يبقَ على موعد حُضورها من العمل الكثير.. هو على وَشَك الانتهاء من تحضير الطَّبق الذي تُحبُّه. رائحة الطَّعام زكيَّة. تذوََّقَه.. تلمَّظ شفتيه بطرف لسانه، وهز رأسه. أطفأ شُعلة النَّار.
شرع في تحضير طبق السَّلطة خيار، طماطم، خس، رمَّان، قبلا من ملح، عصير ليمون، ورشَّة ملح وزيت زيتون.
أخرج الطَّقم الذي أهدته لها صديقتها. طقم عشاء من الخزف الصِّينيِّ الفاخر.. صحونٌ بلون أبيض، وعليها رُسومات باللَّون الأخضر.
هي تحبُّ هذا الطَّقم: يقول لنفسه، صعد إلى غرفة النَّوم. اِغْتسل وبدَّل ثيابه، لبس طقمًا أنيقًا، كانت بدلة رماديَّة، وقميصَا أبيض، وربطة عُنُق بلون قرمزيٍّ، أهدتها له زوجته في عيد زواجهما الأوَّل، شغَّل موسيقى ساكس ناعمة. صبَّ عصير البرتقال في كأس رقيق.
أخرج قارورة صغيرة من جيبة. ثلاثُ نقاط أظنُّ أنَّها كافية. قال في نفسه.. حسبها بدقَّة.. أغلق القارورة، ووضعها في جيب البدلة. أطفأ الإنارة، وتركَ إضاءة خافتة. جلس إلى المائدة ينتظرها، وتلك النَّظرة المُحايدة تنبثقُ من عينيْه.
قراءات نقدية
اللغة في قصة "غداء عمل" لسعاد عسيري، لغة انسيابية والوصف جميل، ولدى الكاتبة نفس روائي لاهتماهما بالتفاصيل الصغيرة في ثنايا القصة.
وسط القصة كانت ترد تساؤلات على ذهن الزوج جعلت القصة تسير في مسار جميل وطرح كلاسيكي في شكوك الرجل العاطل بزوجته التي تصرف عليه، لكن في خاتمة القصة قد نراها لامست التحولات التي يمر بها المجتمع من خلال دور المرأة ومشاركتها في الحياة الاقتصادية وقبول الزوج العاطل بالتنازل (للقوامة المادية) للزوجة، وهذا يعتبر حديث معاصر.
تطرح القصة في نهايتها اسئلة حول الارتباك الاجتماعي بدخول المرأة سوق العمل وتغيير مفهوم العلاقة الزوجية.
واعتقد أن التحول الذي يعيشه المجتمع بكل إيجابياته وسلبياته مادة خصبة للكتابة. وأهنئ الكاتبة على قدرتها الكتابية وخيالها الخصب في توظيف هذه القضايا التي تلامس الواقع والمجتمع.
وارى أنه يمكن اقتناص التحول الذي يعيشه الوطن في رصد التغير المفاهيمي لمجتمعنا تجاه المرأة، وعلاقتها بالرجل، وحتما أهم متغير اصبحت المرأة مشاركة في العملية الإنتاجية، وليس مجرد مستهلكة تعيش على هامشه، ومن الطبيعي أن تغير العامل الاقتصادي لصالح المرأة سينعكس عليها اجتماعيا سوءا بالسلب أو الإيجاب.
نعود لقصة الأستاذة سعاد، والتي وصفت فيه المدمن أنه يقوم بعمل المنزل، وتأتيه زوجته مصطحبة مديرها في العمل لزيارته في المستشفى، ورغم شكوكه فيها إلا أنه شخص رومانسي ينتظرها بالشموع.
وأرى أن ما طرحته القاصة سعاد عسيري من رسم إيجابية لشخصية الرجل غير السوي يعطي مؤشرا أن هناك أدبا مختلفا عن السابق فرضته المرحلة، والتغيير الذي يعيشه المجتمع، ووضحت آثاره في المجتمع مع الجيل الشاب، إن لم نكتبه في أعمالنا السردية سيكتبنا في واقعنا الاجتماعي.
موضوعات ذات صلة
باحثون من 28 دولة في ملتقى الشارقة الدولي للراوي الصداقة في تراث الشعوب بملتقى الشارقة الدولي للراوي
مصر تشارك في منتدى سان بطرسبورج الدولي الثاني عشر للثقافات المتحدة تحت شعار الثقافات المتحدة .. القيم المشتركة
قصور الثقافة تعيد إصدار سلسلة كاتب ورسام صغير لإبداعات الأطفال.. وتلقي الأعمال أكتوبر المقبل
الثلاثاء.. صالون الثقافة الجماهيرية بالإسكندرية يناقش مخاطر الهجرة غير الشرعية
شعر وأغاني تراثية وفنون شعبية في فعاليات شارع الفن بالإسكندرية
الفنون التشكيلية يعلن عن عودة صالون الأعمال الفنية الصغيرة ويكشف عن شروط التقديم
أبناء الموسيقار محمد الموجي: فخورون بإهداء عوده لمتحف الموسيقى العربية بأكاديمية الفنون
الشاعرة البحرينية فتحية عجلان تحلّق بجمهور معرض أبوظبي الدولي للكتاب الـ35 نحو سماء القصيدة
في ختام جلسات الدورة الأولى من أعلام الإمارات في معرض أبوظبي الدولي للكتاب الـ35 و محمد المر: حلقة الوصل بين المبدع والمؤسسة
نرشح لك
الأدب السوداني في زمن الحرب في العدد الجديد من مجلة مصر المحروسة
زعفرانة فى مختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية
مهذل الصقور: نار القصيدة وظمأ العاشق
من سينما الواقع إلى كوميديا الضحك المأساوى: سيتفانو جانينى يبرز المعنى فى لقاء ثقافى بالأسكندرية
من قصر الرئاسة فى الخرطوم إلى الكيت كات: لماذا أهدى جعفر نميرى الحلوى إلى طفلة مصرية؟
ماركو والجثة الهاربة فى مختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية
لماذا يحتاج الرجل إلى المرأة؟ نظرة فى الجنس والغريزة والجسد
أنا ذئب كان فى مختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية
رواية الذكاء الاصطناعي فى مختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية
فجر أيلول فى مختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية