راوي الشارقة يستقرئ تحولات الصداقة بين الذاكرة الشعبية والحكاية والمكان
حجاج سلامة
استعرض نخبة من الباحثين والمختصين تحولات مفهوم الصداقة وتجلياتها في الذاكرة الشعبية الإماراتية، خلال الجلسة الخامسة من البرنامج العلمي لملتقى الشارقة الدولي للراوي في دورته السادسة والعشرين، والتي جاءت تحت عنوان "تحولات الصداقة في الذاكرة الشعبية الإماراتية". شارك في الجلسة الدكتور عبد العزيز المسلّم، رئيس معهد الشارقة للتراث ورئيس اللجنة العليا المنظمة للملتقى، والدكتور ماجد بوشليبي، أمين عام المنتدى الإسلامي، ومروة العرقوبي، المديرة التنفيذية لبيت الحكمة، والشاعر والباحث علي أحمد الكندي المرر، فيما أدار الجلسة الدكتور مِني بونعامة، مدير إدارة المحتوى والنشر في معهد الشارقة للتراث.
الصداقة في الذاكرة المحلية
قدّم الدكتور عبد العزيز المسلّم ورقة بعنوان "صديقي الكبير"، تناول فيها المراحل العمرية للصداقة وإمكانية استمرارها عبر الزمن، متوقفًا عند نماذج من الصداقات الراسخة في الذاكرة الشعبية المحلية، لا سيما بين شعراء الإمارات الشمالية، ومنها الصداقة التي جمعت الشاعرين راشد الخضر وماجد بن علي النعيمي، والتي امتدت حتى وفاة النعيمي.
كما تناول المسلّم نماذج أخرى للصداقة بين الشعراء، مشيرًا إلى علاقته الممتدة منذ نحو 25 عامًا بالشاعر عتيق القبيسي، وما شهدته من مساجلات شعرية، موضحًا أن الصداقة في الذاكرة الشعبية تسهم في تشكيل هوية المجتمع وتمثل جزءًا من مخزونه العاطفي والإنساني.
وفي مستهل الجلسة، تحدث الدكتور مِني بونعامة عن حضور الصداقة بوصفها قيمة إنسانية ضاربة في عمق التاريخ، وتجلياتها في الملاحم والسير الشعبية والأعمال الأدبية، مشيرًا إلى حضورها في ملحمتي "الإلياذة" و"الأوديسة"، وما شكلته من محور إنساني تناوله الكتّاب والمبدعون برؤى وأساليب متعددة.
حكايات تعبر الثقافات
وتناولت مروة العرقوبي، في مداخلتها بعنوان "من الحكاية الإماراتية إلى صداقة عابرة للثقافات"، تجربة توظيف الحكاية الشعبية الإماراتية في صناعة كتاب الطفل، مستعرضة مشروع "خريريفة مجريفة"، الذي انطلق من تساؤل حول كيفية صناعة كتاب الطفل الإماراتي، وصولًا إلى تجربة تقديم الحكاية الإماراتية لرسامين من ثقافات مختلفة.
وأوضحت أن التجربة سعت في بدايتها إلى استكشاف أوجه الاختلاف، غير أنها كشفت عن مساحات أوسع من التشابه؛ فعلى الرغم من اختلاف الصور والتعبيرات، تظل المشاعر الإنسانية واحدة، وهو ما يؤكد أن الحكايات أقرب إلى بعضها مما نعتقد، وأنها قادرة على بناء جسور من الصداقة والتواصل بين الثقافات والشعوب.
الصداقة بين التنافس والوفاء
من جانبه، قدّم الدكتور ماجد بوشليبي "قراءة في الثنائيات المحكية"، متوقفًا عند العلاقة التي جمعت الشاعرين جرير والفرزدق، وما تثيره من تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الصداقة والخصومة.
وأشار إلى ما شهدته علاقتهما من هجاء ومنافسة شعرية، في مقابل رثاء جرير للفرزدق بعد وفاته بقصيدة عُدّت من المراثي البارزة، مستحضرًا هذا النموذج لطرح تساؤلات حول مفهوم الصداقة وحدودها وتعدد دلالاتها في الأدبيات والموروث الثقافي.
المكان ذاكرة وصداقة
وقدّم الشاعر والباحث علي أحمد الكندي المرر ورقة بعنوان "الصداقة مع المكان"، تناول فيها علاقة الإنسان بالمكان باعتبارها شكلًا من أشكال الارتباط والوفاء والانتماء، مستندًا إلى تجربته في البحث الميداني ولقاءاته مع الرواة وما وثّقه من حكايات وذكريات.
وأشار إلى أن أبحاثه في منطقة ليوا أظهرت عمق الصلة التي تجمع الإنسان بالمكان، لافتًا إلى ما كان يلمسه من تأثر كبار السن وانفعالهم عند استعادة صور المناطق التاريخية وذكريات أهلها، بما يعكس حضور المكان في وجدانهم وذاكرتهم. وأوضح أن هذه العلاقة تتجاوز الارتباط الجغرافي لتجسد الإخلاص للمكان والدفاع عنه والمحافظة عليه، لتغدو جزءًا أصيلًا من ذاكرة الإنسان وهويته.