زينب لوت تجول بنا ين النقد كظاهرة فكرية وزخم العوالم الأدبية

حجاج سلامة
زينب لوت تجول بنا ين النقد كظاهرة فكرية وزخم العوالم الأدبية

المُتلقى من مُستهلك للنصوص إلى مُنتج للمعنى:



في كتابها "محاضرات في النقد الأدبي الحديث وتطبيقاته"، تتوقف بنا الأكاديمية والناقدة والأديبة الجزائرية الدكتورة زينب لوت، عند مناهج نقدية مختلفة، مُحللة لنا النقد باعتباره ظاهرة فكرية وعلمية تشتغل على عوالم أدبية زخمة، تتنوع بتنوع أجناسها وتركيباتها اللّغوية وتكوينها  الفني القائم على الأساليب والشكل، الذي يمثلُ عناصرها الجمالية والنوع والغرض والجنس، الذي يتطور غالباً بالتّاريخ وتغيرات الحضارة والايديولوجيات والثّقافة ودرجة الانفتاح تؤثر في تغيرها حسب الواقع لأنَّ النص خاضع للعصر وتوقعات المتلقي ودرجته الفهم التي تخضع إلى نفس المؤثرات التي تسير وفقه العملية النقدية. 

وفي هذا السياق تقول "لوت" في مقدمة كتابها الصادر عن دار غراب للنشر والتوزيع بالقاهرة، إن النقد والأدب يتواجد في محاكاة الحس الإنساني والذهن المنتج للإبداع ضمن شتّى المجالات والمقومات التي تسعى الحضارات لتأسيسها عبر التطور التكنولوجي وما تعكسه الإيديولوجيات على النظرية النقدية فتؤسس حداثتها وما بعد الحداثة، ثمّ تنظر للنص وما ينطوي عليه من عمليات تجمع بين الوحدات اللغوية في مستوياتها الصوتية والصرفية والنحوية والتركيبية، وتخضع العلامات الدالة والرموز الظاهرة والمضمرة نوعاً مهما في إفراز علاقات جديدة بين الخطاب والإجراءات النقدية التي تفسره.

وتلفت زينب لوت إلى مرحلة ما بعد مقولة "موت المؤلف" لرولان بارث، حيث تنطوي المناهج الاجتماعية والتاريخية والنفسية إلى الداخل المكون للخطاب اللغوي والمحرك للمعنى وكينونته ونشاطه الحيوي مثل الكائن الحي الذي يعيش عبر عناصره وقوانينه الخاصة، فظهرت البنيوية والأسلوبيات والسيميائيات وغيرها ما صنف ما بعد الحداثة كالتفكيكية، لتتبلور خارج هذا النطاق بعض التوجهات النقدية المهمة حول المظاهر الأدبية مثل جماعة الديوان وأبولو ونظرية الشك عند طه حسين والنقد الإحيائي.

وقد وضعت الدكتورة زينب لوت في هذا الكتاب، مجموعة من محاضراتها في النقد الأدبي الحديث والمعاصر، من جذوره الأولى التي ارتبطت بالتحولات الاجتماعية والثقافية في مطلع القرن العشرين، إلى تجلياته الراهنة التي تعكس انفتاح الخطاب النقدي على المناهج المتعددة والتخصصات المتداخلة. 

وبيّنت عبر صفحات كتابها كيف انتقل النقد من المقاربة الانطباعية إلى التأسيس المنهجي، مرورًا بالمدارس البنيوية، وما بعد البنيوية، والتفكيكية، والتحليل النفسي، والسيميائيات، والنقد الثقافي، وغيرها من الاتجاهات التي أسهمت في إعادة تعريف مفهوم النص ومكوناته حسب أسس ونظريات وتوجهات تتطلعُ نحو مكاشفة فعل الكتابة وفاعلية القراءة.

وقد جاءت موضوعات الكتاب بمثابة تحفيز للقارئ والباحث على التفكير النقدي، ومساءلة المسلمات، والانخراط الواعي في عملية التأويل بوصفها نشاطًا معرفيًا وإبداعيًا في آن. 

وأكدت "لوت" في كتابها "محاضرات في النقد الأدبي الحديث وتطبيقاته"، على أنه   أصبح من الضروري اليوم أن يتحول المتلقي من مستهلك للنصوص إلى منتِج للمعنى، مستندًا إلى أدوات نقدية رصينة ووعي معرفي عميق بتعقيدات الخطاب الأدبي وسياقاته.

ويُمكننا القول بأن هذا الكتاب وفّر أرضية معرفية متوازنة، وفتح أفقًا للتفكير والتحليل حول قضايا النقد الأدبي المعاصر، في زمن تتسارع فيه التحوّلات الثقافية وتتغير فيه علاقة الإنسان بالنص وباللغة. لكن تبقى الأسس النظرية مرفئ كل طالب وباحث للتوافق المفاهيمي والوضوح نحو أفق تكوين عقل نقدي متكون ومُكون.

وتٌعالج زينب لوت في كتابها العديد من الموضوعات التي نذكر منها: مفردات وحدة النقد الحديث والمعاصر – النقد الأدبي مفهومه ومقاييسه – العلاقة بين النقد والأدب – شروط الناقد – مدحل إلى نظرية النقد الحديث – النقد مفهومه ومقاييسه – هل النقد وسيلة تفسير – النقد بين العلم والفن - بواكير النقد الأدبي الحديث - النقد الإحيائي: مفاهيمه وأعلامه – النقد التجديدي: التجديد في الشعر العربي – مدرسة الديوان ومدرسة ابولو والاختلاف والتوافق بين المدرستين – النقد النفسي الأنثروبولوجي أعلامه ومقولاته وتطبيقاته – اتجاهات النقد الحديث ومفاهيمه – المنهج الإنطباعي – المنهج الوضعى – المنهج التاريخي - المنهج الاجتماعي: المقولات الكبرى الفن للمجتمع - الأدب الملتزم - الانعكاس في الأدب - علاقة الأدب بالمجتمع - التحليل الإجتماعي للأدب - اتجاهات النقد الاجتماعي، وغير ذلك من الموضوعات.




وتستعرض الدكتورة زينب لوت في كتابها الكثير من المفاهيم المتعلقة بالنقد والنقد الحديث، وما يشكله النقد من مجال خصب وما يرتبط به من التَّصورات الفكرية، وتفرع مجالاته في العديد من النظريات والأنماط الإجرائية المختلفة، التي تعتمد على مرجعيات علمية وفلسفية.

وتتحدث "لوت" في كتابها "محاضرات في النقد الأدبي الحديث وتطبيقاته"، عن النقد وتعريفاته المتعددة المقترنة بالإبداع والملازمة للفن الإنساني عبر العصور، وكيف استند النقد في مقوماته على عناصر النص وخصائصه.

وتقول مؤلفة الكتاب: "عُرف النقد ملازما للإنسان، فهو قديم قدم وجوده، إذ هو قرين النزوع نحو الكمال لديه، ذلك النزوع الذي يتخذ شكل معاينة للذات واطراح لنواحي القصور، وتجاوز لمظاهر الضعف، إلى حيث الرفعة والارتقاء بالنفس لما هو أسمى"، وتلفت إلى حاجة الأدباء إلى النقد لإبراز قيمة الكتابة وتعزيز مكانتها. 

ويتناول الكتاب تلك العلاقة الوطيدة بين النقد والأدب في مراحل وجودهما، وظهور النقد بظهور النصوص الأدبية الأولى في حياة المجتمع البشري، إذ ولد شأن غيره من العلوم الإنسانية على منواله الفطري، إلى أن شهد مرحلة تطوره النوعي في العصر العباسي، بسبب ما أصاب هذا العصر من تعقد في الحياة المدنية ثقافيا واجتماعيا وفكريا، حيث منح الانفتاح في العصر العباسي بُعداً مهما في تغير الأشكال الأدبية والأنماط النظرية للنقد. 

ويذكر لنا الكتاب أنَّ أصولَ  النقد بمعناه العام، لم يكن تحت قوانين وتصورات نظرية في جميع العصور، وارتبط وجوده في العصر الجاهلي بالانطباعية   والجزئية، أي أنه يقوم على العفوية، والذوق العام، الذي يُحسُ به الشعراء نحو  رفعة المعاني وجزالة الألفاظ ومقامها ضمن متون الشعر والنثر، وتحول إلى معالم دينية في ضوابط الإسلام والشرائع إلى نبذ صفات في الشعر كالغزل الماجن والهجاء اللاذع  حتى يحمي بذلك الأعراض ومكانة الإنسان.

ويُسلّط الكتاب الضوء على دور النقد وحضوره في العصر الأموي، والعباسي، وكيف غيّر الانفتاح الحضاري واقع النقد، وظهور الجهود الرامية إلى وضع أسس علمية ونظرية ساعدت على نضوج الفكر النقدي.

ويتحدث الكتاب عن النقد الغربي الذي فتح مجالاً خصباً أمام تفسير العملية الإبداعية وتقدير مستوياتها الفنية، والنظريات الحديثة للنقد وتصوراتها وأفق تطورها.

يُذكر أن الدكتورة زينب لوت، هي أكاديمية وناقدة وأديبة جزائرية، درست النقد الحديث والمعاصر، صدر لها العديد من المؤلفات ما بين دراسات نقدية، ورواية، ومجموعات قصصية، ولها مشاركات وحضور في الكثير من الفعاليات الثقافية الجزائرية والعربية والدولية.