النبي بثوب مصور جبران يطل من معرض أبوظبي للكتاب

حجاج سلامة
النبي بثوب مصور   جبران يطل من معرض أبوظبي للكتاب



وسط الزحام الثقافي الذي تشهده الدورة الخامسة والثلاثون من معرض أبوظبي الدولي للكتاب، المقامة هذا العام تحت شعار لنقلبَ الصفحة ونقرأَ العالم

 في مركز أدنيك أبوظبي حتى 18 سبتمبر الجاري، وبمشاركة عارضين من 95 دولة حول العالم، يحضر جناح مجموعة كلمات الإماراتية بمحتوى يستحق التوقف عنده، إذ تعرض دار «كومكس التابعة للمجموعة نسختها المصورة من كتاب النبي لجبران خليل جبران، في واحدة من تجارب إعادة تقديم الكلاسيكيات الأدبية في قالب بصري معاصر.

فكتاب النبي، الذي صدر للمرة الأولى عام 1923، ليس نصًا سرديًا تقليديًا يسهل تحويله إلى مشاهد متتابعة كما هو الحال في الرواية، بل عمل شعري فلسفي تأملي بناه جبران على مجموعة من الخطب والتأملات يلقيها النبي المصطفى على سكان مدينة أورفاليس قبيل رحيله، وهو ما يجعل تحويله إلى رواية مصورة تحديًا مختلفًا عن نقل عمل سردي تقليدي إلى الشاشة أو الصورة.

ولهذا المشروع وقع الاختيار على الرسامة والمؤلفة اللبنانية زينة أبي راشد، صاحبة الرواية المصورة الشهيرة «البيانو الشرقي»، لتقدم معالجة بصرية كاملة لهذا العمل الخالد، مستفيدة من تجربتها في بناء الحكاية بالصورة، ومن أسلوب بصري يقوم على التكوينات والظلال والأنوار، في محاولة لنقل روح نص جبران التأملية إلى لغة بصرية جديدة، لا الاكتفاء بتحويل كلماته إلى مشاهد مرسومة.

وتحمل التجربة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة النبي نفسه؛ فالنص لا يقوم على حبكة تقليدية أو أحداث متسارعة، وإنما على أسئلة وتأملات في الحب والزواج والعمل والحرية والشرائع والموت وغيرها من القضايا الإنسانية الكبرى. ومن ثم فإن مهمة الفنانة لا تتمثل فقط في رسم ما يرويه النص، وإنما في ابتكار عالم بصري قادر على ترجمة أفكاره وإيقاعه التأملي.

وقد أشاد الكاتب أمين معلوف، عضو الأكاديمية الفرنسية، بالعمل، واصفًا الخط البصري لزينة أبي راشد بأنه يقدم عالمًا حلميًا يليق بالحكمة الشعرية لجبران، في شهادة تعكس خصوصية التجربة التي تجمع بين نص أدبي كلاسيكي ولغة فنية تنتمي إلى الرواية المصورة المعاصرة.

وتنتمي زينة أبي راشد إلى جيل بارز من الفنانين العرب الذين أسهموا في ترسيخ حضور الرواية المصورة في المشهد الثقافي العربي، وحققت أعمالها حضورًا واسعًا، من بينها البيانو الشرقي، كما حصلت عام 2016 على وسام فارس الفنون والآداب في فرنسا.

من الكلمة إلى الصورة

يأتي حضور النبي المصور في معرض أبوظبي للكتاب في سياق أوسع تشهده صناعة النشر العربية، يتمثل في البحث عن أشكال جديدة لإعادة تقديم النصوص الأدبية المعروفة، وفتحها أمام أجيال من القراء اعتادت التفاعل مع الصورة بوصفها جزءًا أساسيًا من عملية السرد.

وتكتسب التجربة خصوصيتها من كونها لا تنقل نصًا عالميًا إلى لغة بصرية فحسب، وإنما تعيد قراءة عمل كتبه جبران، الشاعر والفنان اللبناني الذي كتب بالعربية والإنجليزية، من خلال فنانة لبنانية تنتمي إلى تقاليد الرواية المصورة الحديثة.

وهنا يتحول النبي من كتاب عرفه القراء عبر صفحات النص وحدها إلى تجربة متعددة الطبقات، تتجاور فيها كلمات جبران مع خطوط أبي راشد وتكويناتها البصرية، ليصبح للقارئ مجال آخر لاكتشاف النص، من خلال الصورة بقدر ما يكتشفه من خلال اللغة.


ويأتي ذلك بالتزامن مع دورة من معرض أبوظبي الدولي للكتاب تحتفي بالكتاب والتراث والأدب في أشكال متعددة، وتختار العالم اللغوي العربي الخليل بن أحمد الفراهيدي شخصية لهذه الدورة، بما يضع تجربة «النبي» المصورة ضمن حوار ثقافي أوسع حول كيفية إعادة تقديم المنجز الأدبي العربي للأجيال الجديدة.

فحين يقف زائر المعرض أمام صفحات أبي راشد المستلهمة من نص جبران، فإنه لا يواجه مجرد إصدار جديد من عمل أدبي شهير، وإنما نموذجًا على قدرة النصوص الكلاسيكية على اكتساب حياة بصرية جديدة، وعلى إمكانية أن تعيد الصورة فتح الكتب القديمة أمام قراء جدد، دون أن تلغي أصلها الأدبي أو تفقدها روحها الأولى.