معرض أبوظبي للكتاب.. الثقافة تفتح نافذة للسلام وسط أزمات المنطقة

حجاج سلامة
معرض أبوظبي للكتاب.. الثقافة تفتح نافذة للسلام وسط أزمات المنطقة



«لنقلب الصفحة ونقرأ العالم».. 95 دولة و1500 فعالية في الدورة الـ35


في وقت تتصاعد فيه أزمات المنطقة وتلقي الحرب بظلالها الثقيلة على المشهد العربي، تفتح الثقافة في أبوظبي نافذة مختلفة على العالم، عبر الكتاب والفن والفكر والحوار، في رسالة تؤكد أن المعرفة لا تتوقف أمام الأزمات، وأن الإبداع قادر على صناعة مساحات للسلام حين تضيق مساحات الحوار.


وتنطلق الدورة الخامسة والثلاثون من معرض أبوظبي الدولي للكتاب خلال الفترة من 13 إلى 18 سبتمبر الجاري، بتنظيم مركز أبوظبي للغة العربية التابع لدائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي، لتقدم برنامجًا واسعًا يجمع الأدب والفنون والتراث والتعليم والتكنولوجيا وصناعة النشر، بمشاركة عارضين من 95 دولة ونحو 1500 فعالية.


وتقام الدورة برعاية الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، تحت شعار «لنقلب الصفحة ونقرأ العالم»، وهو شعار يتجاوز دلالته المباشرة إلى رؤية ثقافية تقوم على التجدد والانفتاح وفهم التحولات التي يشهدها العالم.


الثقافة في مواجهة الحرب


تأتي الدورة الجديدة في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، لتؤكد حضور الثقافة باعتبارها إحدى أدوات مواجهة خطاب الكراهية والتطرف والانغلاق، ومنصة للحوار بين الشعوب والثقافات.


ويعكس استمرار تنظيم المعرض في هذه الظروف إيمانًا بدور الكتاب والفنون والمعرفة في بناء الإنسان، وتعزيز التواصل بين المجتمعات، وفتح قنوات للحوار حين تعجز السياسة أحيانًا عن إزالة المسافات بين الشعوب.


وتستند هذه الرؤية إلى إرث دولة الإمارات في دعم الثقافة والفنون والتراث، وما أرسته من توجه يقوم على تشجيع التقارب بين الثقافات ودعم السلام والتنمية والحوار الحضاري.


«لنقلب الصفحة ونقرأ العالم»


يحمل شعار الدورة هذا العام دلالة إضافية مع إعلان دولة الإمارات عام 2026 «عام الأسرة»، إذ يضع القراءة في سياق اجتماعي يتجاوز علاقتها بالكتاب وحده، لتصبح وسيلة لبناء أسرة أكثر وعيًا، ومجتمع أكثر تماسكًا، وأجيال أكثر قدرة على التفكير النقدي والانفتاح على العالم.


ومن هذا المنطلق، يتحول الاستثمار في الثقافة إلى استثمار طويل الأمد في الإنسان، باعتباره محور التنمية وصانع المستقبل.


ولا يقتصر المعرض على عرض الكتب ودور النشر، بل يقدم نفسه باعتباره مساحة تتقاطع فيها الثقافة مع التعليم والاقتصاد والتكنولوجيا والفنون والدبلوماسية الثقافية، بما يعكس التحول الذي شهدته صناعة الكتاب خلال العقود الأخيرة.


95 دولة و1500 فعالية


وتشهد الدورة مشاركة عارضين من 95 دولة، إلى جانب نخبة من الكتاب والمفكرين والأكاديميين والناشرين وصناع المحتوى من مختلف أنحاء العالم.


ويضم البرنامج نحو 1500 فعالية تتوزع على محاور رئيسية تشمل الثقافة العالمية والحوار الحضاري، والابتكار وصناعة المستقبل، والفنون والتجارب الثقافية الحية.


وتعكس هذه الأرقام اتساع نطاق المعرض وتحوله من فعالية متخصصة في صناعة النشر إلى منصة دولية لتبادل الأفكار والخبرات، وإقامة الشراكات، وطرح القضايا المرتبطة بمستقبل الصناعات الثقافية والإبداعية.


الخليل بن أحمد و«دون كيخوته»


وتحتفي الدورة الخامسة والثلاثون بالعلامة الخليل بن أحمد الفراهيدي بوصفه شخصية محورية، تقديرًا لإسهامه التأسيسي في دراسة اللغة العربية وعلومها.


وفي المقابل، اختار المعرض رواية «دون كيخوته» للكاتب الإسباني ميغيل دي ثيربانتس ضمن احتفائه بالأعمال التي تجاوزت حدود لغاتها وبيئاتها المحلية لتصبح جزءًا من الذاكرة الأدبية العالمية.


ويعكس الجمع بين الفراهيدي و«دون كيخوته» رؤية تقوم على أن المعرفة الإنسانية لا تعرف الحدود، وأن الحوار بين الثقافات يصبح أكثر ثراءً عندما تتجاور التجارب المختلفة وتتحاور مرجعياتها الفكرية والأدبية.


شمال مقدونيا ضيف شرف


وتفتح الدورة نافذة خاصة على منطقة البلقان من خلال مشاركة جمهورية شمال مقدونيا ضمن برنامج «ثقافة البلقان» ضيف شرف المعرض.


وتقدم المشاركة صورة متعددة الأبعاد عن الثقافة المقدونية والبلقانية، من خلال الأدب والفنون والموسيقى والحرف التقليدية والمخطوطات والوثائق، إلى جانب جلسات وفعاليات تجمع المبدعين والمثقفين والناشرين من المنطقة والعالم العربي.


وتكتسب هذه المشاركة أهمية خاصة في ظل التاريخ الثقافي المتعدد لمنطقة البلقان، التي شكلتها قرون من التفاعل بين حضارات وثقافات مختلفة.


الأطفال في صدارة المشهد


ويولي معرض أبوظبي الدولي للكتاب اهتمامًا كبيرًا بالأطفال والناشئة، إذ تمثل الفعاليات الموجهة إليهم ما لا يقل عن 70% من برنامج الدورة، فيما يتضمن البرنامج نحو 1000 فعالية تستهدف هاتين الفئتين.


وتتنوع الأنشطة بين رواية القصص والرسم والفنون والتراث وورش القراءة والكتابة، إلى جانب أنشطة تجمع التعليم بالترفيه، من بينها منصة «أتعلم» التي تقدم محتوى تفاعليًا يستهدف تنمية مهارات الأطفال والناشئة.


كما يتضمن البرنامج ورشًا قرائية مشتركة بين الآباء والأبناء، وجلسات تناقش دور الأسرة في بناء الهوية الوطنية وتحويل القراءة إلى عادة يومية داخل المنزل.


ويمتد الاهتمام إلى الشباب من خلال مبادرات تستهدف اكتشاف المواهب الوطنية وتأهيلها للعمل في قطاع النشر والصناعات الثقافية، في ظل التحولات التكنولوجية المتسارعة التي يشهدها هذا القطاع.


الشعر حاضر في أبوظبي


ويحضر الشعر العربي بقوة من خلال برنامج «ليالي الشعر»، الذي يتضمن أمسيات شعرية ولقاءات وجلسات نقدية بمشاركة نخبة من الشعراء العرب.


ويعزز البرنامج موقع أبوظبي كمنصة للإبداع الأدبي، ويمنح الشعر مساحة للحوار مع الجمهور في ظل التحولات التي تشهدها أشكال الكتابة والتلقي في العصر الرقمي.


كما يستضيف المعرض حفل تكريم الفائزين بـجائزة الشيخ زايد للكتاب لعام 2026، في احتفاء بمنجزات الجائزة التي امتدت على مدار عقدين، وإسهاماتها في دعم التأليف والترجمة والبحث العلمي وتعزيز حضور الثقافة العربية دوليًا.


أبوظبي والاستثمار في المعرفة


وقال محمد خليفة المبارك، رئيس دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي، إن معرض أبوظبي الدولي للكتاب يجسد رؤية أبوظبي في الاستثمار بالثقافة والمعرفة باعتبارهما ركيزتين للتنمية الشاملة ومحركين لبناء اقتصاد المعرفة وتعزيز التقارب بين الشعوب.


وأضاف أن المعرض تطور على مدار 35 عامًا من منصة تجمع الناشرين والمؤلفين إلى مؤسسة ثقافية تسهم في تشكيل الحراك الفكري وتحفيز الابتكار ودعم الصناعات الثقافية والإبداعية وفتح آفاق جديدة للتعاون الدولي.


من جانبه، أكد الدكتور علي بن تميم، رئيس مركز أبوظبي للغة العربية، أن الدورة الجديدة تمثل محطة في مشروع ثقافي وطني تحول إلى منصة عالمية لإنتاج المعرفة وتعزيز الحوار الحضاري واستشراف مستقبل الصناعات الثقافية والإبداعية.


وأشار إلى أن المعرض يواصل ترسيخ الثقافة بوصفها قوة دافعة للتنمية، واللغة العربية باعتبارها جسرًا للمعرفة والإبداع والتواصل الإنساني.


وقال سعيد حمدان الطنيجي، المدير التنفيذي لمركز أبوظبي للغة العربية ومدير معرض أبوظبي الدولي للكتاب، إن الأجيال الجديدة تتصدر اهتمام المركز، مؤكدًا أن البرنامج يستهدف إطلاق إبداعات الأطفال والناشئة وتنمية مهاراتهم وتكريس القراءة والكتابة في مراحل مبكرة.


الكتاب في مواجهة زمن الأزمات


وبينما تضرب الأزمات المنطقة، يبدو معرض أبوظبي الدولي للكتاب في دورته الخامسة والثلاثين أكثر من مجرد موعد سنوي لعشاق الكتب؛ فهو مساحة تلتقي فيها الثقافات، وتتجاور فيها اللغات، وتتحول فيها القراءة إلى وسيلة لفهم الآخر.


ومن أبوظبي، تأتي رسالة المعرض واضحة: قد تتغير صفحات العالم تحت وطأة الأحداث، لكن الكتاب يظل قادرًا على فتح صفحة جديدة للحوار، والمعرفة تظل واحدة من أكثر أدوات الإنسان قدرة على مقاومة العنف والانغلاق.