لماذا يخنق التمويل الفن البديل؟ سينيفيل يُجمد أنشطته بالإسكندرية ويضع استدامة المبادرات المستقلة أمام مرآة الحقيقة

Caffeine Art News
لماذا يخنق التمويل الفن البديل؟  سينيفيل  يُجمد أنشطته بالإسكندرية ويضع استدامة المبادرات المستقلة أمام مرآة الحقيقة


        تامر صلاح الدين


من "سينما في كل مكان" إلى "ستوديو الصم" ثم "سينيفيل" رحلة "وجيه اللقاني" في بناء الجمهور البديل تسطّر فصلًا جديدًا حول عدالة التمويل وأزمة المؤسسات الوسيطة في الوطن العربي

يطرح هذا التقرير سؤالين فى منتهى الأهمية بالنسبة للمؤسسات الثقافية المستقلة، عبر نموذج سكندرى لم يتهاوى، بل أعلن توقفه عن استقبال الجمهور وتعليق أنشطته بسبب "غياب التمويل" السؤال الأول هو: هل تبحث المؤسسات الوسيطة عن الشو الإعلامي وتترك الكيانات الجادة تتهاوى؟

السؤال الثانى: كيف واجه وجيه اللقاني أزمة استدامة الثقافة المستقلة؟


في الأول من سبتمبر 2026، أعلن مركز "سينيفيل" السينمائي المستقل في الإسكندرية تجميد أنشطته الجماهيرية حتى إشعار آخر، جاء القرار نتيجة الظروف الاقتصادية البالغة الصعوبة التي جعلت استمرار تشغيل المركز وتنفيذ برامجه أمرًا غير ممكن، بعد سنوات من تحمل مؤسسيه والعاملين به أعباءً مالية وإدارية متواصلة دون دعم معتبرمن الجهات المانحة.

بطبيعته التى تقبل التحدى لم يعلن وجيه اللقانى مؤسس المبادرة  التجميد الذى يعد النهاية الرسمية لـ "سينيفيل"، إذ أكد البيان المؤسسي أن أنشطة العرض والاستقبال الجماهيري هي فقط التي جرى تعطيلها مؤقتًا، وأن المركز سيظل قائمًا كصرح ومساحة، بينما يواصل فريقه البحث عن بدائل وشراكات حقيقية تتيح له استعادة نشاطه المستدام.

تبدو الأزمة في ظاهرها وكأنها تخص مركز سينمائي سكندري مستقل، لكنها تفتح بابًا واسعًا لسؤال أعمق:  كيف يمكن أن تستمر المؤسسات الثقافية المستقلة في مصر والعالم العربي في ظل الاعتماد على التمويل الذاتي أو المنح المشروطة والمؤقتة؟

تكتسب حالة "سينيفيل" بُعدًا استثنائيًا بالنظر إلى مسيرة مؤسسه وجيه اللقاني، الذي امتدت تجربته خلال أكثر من عقد بين السينما المستقلة، والبرمجة، وإتاحة الأفلام، والتدريب، والعمل مع فئات كانت محاطة دائمًا بالتهميش.



اللقاني؛ من إدارة الأعمال إلى التنمية الثقافية:

بدأ وجيه اللقاني مساره الدراسي في مجال إدارة الأعمال، قبل أن يتجه للتخصص الثقافي ويحصل عام 2015 على دبلومة التنمية الثقافية من جامعة القاهرة ،إلى جانب دراسات إدارة الفنون بكلية الآداب، شكل هذا المزيج بين الإدارة والفن الركيزة الأساسية لمبادرات اللقاني لاحقًا؛ إذ لم تقتصر مشاريعه على تنظيم عروض سينمائية عابرة، بل شملت:

البرمجة والتنسيق الفني للأفلام المستقلة غير التجارية، للترجمة والإتاحة اللغوية والبصرية للفئات الخاصة فى التدريب والتأهيل الميداني على صناعة الأفلام، إضافة إلى خوض تجارب فنية مباشرة، كان أبرزها مشاركته كممثل في فيلم "حاوي" للمخرج إبراهيم البطوط 2010 والتى حصل عن دوره فيه على جائزة أفضل ممثل مساعد من "جمعية الفيلم" فى القاهرة.

 

"سينما في كل مكان" تفكيك المركزية وتوسيع قاعدة المتلقين:

كانت مبادرة سينما في كل مكان (Cinema Everywhere) إحدى العلامات الفارقة في مسار اللقاني؛ حيث اتجه المشروع لنشر الثقافة السينمائية خارج القاعات التقليدية، وتمكن من الوصول بالأفلام المستقلة والبديلة إلى المناطق الجغرافية والمجتمعات المحرومة فى عمق بيئات جغرافية لم تعد على ذهاب السينما إليها فضلا عن مشاهدة أفلام فى الهواء الطلق فى قرى ونجوع مصرية مهمشة فنيا وثقافيا.

لم تكن المبادرة مجرد شاشة عرض جوالة، بل اقترنت ببرامج ترجمة وبناء جمهور تفاعلي. وفي عام 2019، كشف اللقاني أن العروض التي نظمها المشروع داخل مؤسسات وجمعيات الصم والبكم كانت هي الشرارة التي أدت لاحقًا إلى تأسيس مختبر سينما الصم؛ حيث نشأت الحاجة للانتقال من "إتاحة المشاهدة " إلى "إتاحة " التعبير الفنى لفئة كانت محرومة أساسا من سماع الحوار السينمائى مكتفية بالصورة وحسب.

 Deaf Film Lab) ستوديو الصم)؛ التحول الهيكلي: من مُشاهد إلى صانع فيلم:

في عام 2018، انطلقت مبادرة  Deaf Film Lab )ستوديو الصم ( بالإسكندرية، ليتحول المشروع إلى أول تجربة عربية تهدف إلى تدريب الشباب من الصم وضعاف السمع على احتراف الفنون السينمائية.

أبرز مخرجات وأرقام مبادرة  :Deaf Film Lab

تدريب مكثف:  تضمن البرنامج 144 ساعة تدريبية جمعت بين الجانبين النظرى والعملي لجميع مراحل إنتاج الفيلم القصير.

تأهيل الكوادر: شهدت المرحلة الأولى تدريب 14 شاباً وفتاة من الصم على السيناريو، الإخراج، التصوير، والمونتاج.

إنتاج مستقل: أسفرت الورشة الأولى عن إنتاج ثلاثة أفلام قصيرة صُنعت بالكامل بأيدي المتدربين من الصم.

     ترجمة سينمائية تخصصية : تدريب ثلاث مترجمات للغة الإشارة على القاموس والمصطلحات السينمائية لضمان الجودة العلمية لنقل المادة التدريبية.

دعم دولي مؤسسي:  حصل المشروع حينها على تمويل مباشر من الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق -   AFAC)  لتغطية مكافآت المدربين، استئجار المعدات، وأجور مترجمي لغة الإشارة.

مفارقة التمويل: هل المنح تُشيّد "مشروعًا" أم تبنى "مؤسسة"؟

هنا تبرز الإشكالية الجوهرية التي تضع تجربة "سينيفيل" تحت المجهر: هل يستطيع التمويل الموجه لـ "مشروعات محددة الأجل" أن يصنع استدامة مؤسسية طويلة المدى؟

تتطلب إدارة وتثبيت الكيانات والمراكز الثقافية موارد تتجاوز ميزانية الورش المؤقتة؛ فالمركز يحتاج إلى إيجار مقر، رواتب طواقم، صيانة دورية، فواتير كهرباء وتشغيل، وتطوير أرشيف. وغالبًا ما تنتهي المنحة المخصصة للنشاط الميداني لتترك المؤسسة فى مواجهة التكاليف التشغيلية الثابتة بمفردها، مما يخلق المفارقة الشهيرة: نجاح تام للمشروع، وتهديد دائم للمؤسسة بالإغلاق!

"سينيفيل" الصرح المستقل الذي قام على "القروض الشخصية":

في عام 2022، توّج اللقاني مسيرته بتأسيس «سينيفيل  (Cinephile) في الإسكندرية عبر تحويل مساحة ذات قيمة معمارية وتاريخية إلى صرح سينمائي بديل يضم:

قاعة مستقلة تتسع لـ 36 مقعدًا ومجهزة تقنيًا لعرض الأفلام السينمائية،  قاعة محاضرات وتدريب ومساحة مميزة للمعارض الفنية  خاصة الصور الفوتوجرافية للأفلام السينمائية القديمة، ومكتبة سينمائية متخصصة تضم أكثر من 300 كتاب نادر، إلى جانب أرشيف سينمائي يحتوي على مئات الوثائق النادرة للسينما المصرية والعربية.

قدم المركز خلال أكثر من 3 سنوات عروضاً سينمائية، ورشاً، ومعارض مجانية للجمهور. إلا أن البيان الرسمي الصادر عن المركز أورد حقيقة قاسية:  تم إنجاز كل ذلك دون الحصول على أي منحة أو دعم مالي أو عيني من أي جهة محلية أو دولية، حيث تحمّل المؤسسون كامل تكاليف التشغيل، واضطروا في مراحل عدة للجوء إلى قروض شخصية لضمان الاستمرار.

أزمة المؤسسات الوسيطة وشبهة "الشللية":

في المشهد الثقافي الإقليمي، تخضع آليات منح التمويل الدولي لمؤسسات وبرامج وسيطة تلعب دور الحلقة بين المانحين والمبادرات الميدانية. وعلى الرغم من غياب الأدلة المادية الجازمة على تحكم "العلاقات الشخصية" أو "الشللية" في توزيع كافة المنح، فإن التساؤلات المشروعة التي تفرضها حالة "سينيفيل" تظل قائمة:

-         لماذا تُستثنى المبادرات الميدانية الجادة التي تبني مجتمعات فنية حقيقية من التمويل المؤسسي؟

-    كيف تفسر الجهات المانحة رفض أو تجاهل طلبات تمويل لكيانات قائمة بالفعل ولديها أثر ومساحة وأرشيف موثق؟

-         هل آلية الوساطة الثقافية تُعزز التمركز في الدوائر المغلقة على حساب المبادرات المستقلة بعيدًا عن العاصمة؟

أسئلة حق الرد والشفافية المؤسسية:

يلتزم هذا التقرير بنهج الاستقصاء الشفاف، ويطرح مجموعة من الأسئلة المفتوحة أمام الصناديق والجهات المانحة والمؤسسات الوسيطة في المنطقة العربية، منها:

-    معايير التقييم : ما هي النسب المخصصة لدعم البنية التحتية وتكاليف تشغيل "الكيانات" القائمة مقارنة بالمشاريع المؤقتة؟

-    شفافية أسباب الرفض: هل توفر المنظومة المانحة تقارير توضيحية للمؤسسات والمبادرات التي يتم رفض طلباتها لضمان التطوير والتعديل والاستمرار؟

-    تكافؤ الفرص : ما هي الضمانات المتبعة داخل لجان الاختيار والتحكيم لمنع تضارب المصالح وضمان وصول الدعم للمشاريع الموجودة خارج نطاق الشبكات الثقافية التقليدية؟

هل أزمة "سينيفيل" مجرد حدث فردي؟

إن تجربة وجيه اللقاني ومسيرته من "سينما في كل مكان" مرورًا بـ "ستوديو الصم" وصولًا إلى "سينيفيل" ليست مجرد قصة مركز سينمائي سكندري واجه عثرة مالية؛ بل هي اختبار حقيقي لكفاءة وعدالة المنظومة الثقافية المستقلة بأكملها.

إذا كان المطلوب من الثقافة البديلة أن تظل مستقلة، مبدعة، وعميقة الأثر، فإن المنظومة مطالبة بإيجاد حلول جذرية للاستدامة المؤسسية، حتى لا يظل الفن الجاد محكومًا بلعبة الإجهاد المالي أو السقوط في فخ التمويل المشروط.