عروق الزمن لسناء هيشري: العبور من اللون إلى الفكرة ومن الفكرة إلى القصيدة

حجاج سلامة
عروق الزمن لسناء هيشري: العبور من اللون إلى الفكرة ومن الفكرة إلى القصيدة




في كتابها "عروق الزمن"، تدعونا الكاتبة والفنانة التشكيلية البلجيكيّة من اصول تونسيّة سناء هيشري، إلى العبور من اللون إلى الفكرة، ومن الفكرة إلى القصيدة، ومن القصيدة إلى تلك المسافة السرّية التي تخلق فيها اليد ما تعجز الكلمات عن بلوغه. مؤكدة على إيمانها بأنّ الفنّ ليس بابًا واحدًا، بل هو مجموعة من المسالك التي تتقاطع في نقطة واحدة.


الكتاب الصادر – مؤخراً – في تونس، تُهديه مؤلفته، "إلى تلك الأرواح التي تعلّمنا الصمود بصمت، وإلى العيون التي ترى ما لا يُرى في ازدحام هذا العالم؛ تلك التي تلتقط ارتعاشات النور الأولى قبل أن يُدركها البصر العادي، إلى من آمنوا بأن اللون ليس زينة، بل شهادة وجود، وجرأة قلب، ونداء خفيّ يتجدّد في كل مرة تلامس فيها عيونكم وجه اللوحة".

كما تُهديه لتلاميذ أكاديميتها الفنية "حرّاس الألوان"، الذين تصفهم بأنهم لم تتعلّموا الرسم فحسب، بل أسّسوا بضربات فُرشاتهم جمهوريّة للجمال على تخوم اللاوعي.


وتؤكد سناء هيشري على أن كتابها "عروق الزمن" هو أثر خطت حروفه بمداد الروح قبل القلم، وصنعت فصوله لتكون مرآةً لفكرها وجزءًا لا يتجزأ من كيانها الفنيّ.


وما بين الصمت والصدى، تبوح لنا سناء هيشري بأن طريق الفنّ علمها أنّ الحقيقة ليست في التفاصيل التي نراها، بل في تلك التي نجرؤ على لمسها. وانه إذا كان الصمت في البداية حكمة، فالفنّ هو الصدى الذي يكسر حتمية الصمت ليصبح إعلانًا كونيًّا.


"عروق الزمن" يأتي امداداً لكتاب سناء هيشري الأول "نضال من ألوان"، الذي وثّقت فيه رحلتها ما بين الذاكرة واللون والجرأة، وبحثها من خلال كلّ ضربة فرشاة عن المرأة؛ عن حقيقتها المختبئة خلف طبقات الصمت، وعن قوّتها التي تُنبت الحياة في كلّ زاوية.


وتوضح "هيشري" في كتابها، أن أعمالها الفنية تنسجم مع رحلتها في تدفّق واحد، مؤكّدةً أنّ الضوء لا ينقص بالقسمة، بل يمتدّ ويشعّ أكثر. 


ونتعرّف من الكتاب على أن سناء هيشري تُدرّس الفنّ في أكاديميتها الفنية كتجربة حيّة نابضة، بعيدًا عن الجمود الأكاديمي. وتعتمد في منهجها الفني على: استخدام سخيّ للألوان، حركات عفوية، تراكمات ماديّة، بحث دائم عن الجوهر، وتقديرٌ لطاقة الخط وصدق التعبير الشخصي. وبحسب قولها، فإن ما تنقله لتلاميذها يتجاوز حدود التقنية؛ إنّه تعليم للإصغاء إلى صوتهم الداخلي، وجرأة في التجريب، والبحث عن جوهر اللون.


تقول سناء هيشري في كتابها، إنها تقدم في دروسها الفنية تحيّة للفنّ النسائي في تنوّعه، وللقيم النبيلة في التعلّم والمشاركة والعطاء، حيث يتحوّل المرسم إلى استقبال للأرواح المبدعة.


وتدلنا صفحات كتاب "عروق الزمن" على أن سناء هيشري تكشف في أعمالها عن ذاكرة أنثوية حيّة وقوة داخلية تخترق الظلال لتعيد ولادة الضوء. وأنها طوّرت تقنية مختلطة تجمع بين الألوان والمواد العضوية وقوالب السيليلوز؛ حيث تستخدم عجينة التشكيل لخلق بروزات كثيفة وطبقات طلاء سميكة.


وقد استوحت "هيشري" هذا النهج المعاصر من فن الجداريات التقليدي بلمسة حديثة، مما سمح للمادة بأن تتحوّل إلى لغة وذاكرة وتعبير عن جذور المرأة.

وتمنح قوالب السيليلوز أعمالها إيقاعًا غرافيكيًّا وبُعدًا معماريًّا دقيقًا، مما يجعل أسطح اللوحات نحتيّة وملموسة تدعو المشاهد لاستكشاف ثراء الملمس وعمق التفاصيل.


وبحسب الكتاب، فإن للمرأة حضورها القوي والبارز في أعمال الفنانة سناء هيشري، ويأتي ذلك الحضور ليؤكد على إيمان "هيشري" بأن المرأة هي سيّدة الحضارات، وليست مجرّد موضوع للرسم، وأن المرأة هي أصل الرواية؛ وهي خلاصة حضور عربيّ واحد بأسماء متعدّدة. 


كتاب "عروق الزمن" احتوى على لوحات تُقدم قراءة تشكيلية للمرأة العربية بوصفها كيانًا حضاريًّا يتشكّل عبر طبقات تاريخية وجغرافية متعدّدة: من مصر إلى الإمارات العربية المتحدة، ومن تونس إلى السعودية، والمغرب والعراق، ومن فلسطين إلى سوريا.


وتستحضر مؤلفة الكتاب صور شتى للمرأة، وترى في أن في وقار المرأة حضور مدن صنعت المعنى، وفي ثوبها آثار أيدٍ نسجت الحكاية جيلاً بعد جيل؛ من القاهرة والنيل: "الحضارة الضاربة في الأسطورة، وشموخ الأهرامات العابر للزمن، إلى رصانة أبوظبي: طموح المعمار يعانق هدوء البحر، وهيبة "اللوفر" تلتقي بأصالة الصحراء، ومن وهج دبي: منارة المستقبل ولؤلؤة الريادة التي لا تعرف المستحيل، حيث تلتقي ثقافة العالم في قلب واحد، إلى جواهر الشارقة: عاصمة الثقافة التي تحتفي بالحرف والفنون العربية، ومن دفء تونس الخضراء، ومنارات قرطاج المطلّة على زرقة المتوسط، إلى عمق بغداد: دار السلام ووريثة بيت الحكمة، ومن نقوش فلسطين المطرّزة بصمود الزيتون، وحكايات الكنعانيين المحفورة في حجارة القدس، إلى عراقة الشام، حيث عطر الياسمين الدمشقي يفوح من البيوت العتيقة ليروي قصص المجد، وإلى السعودية: عاصمة الإسلام وواحة التاريخ العريق، وصولاً إلى المغرب ... وروح الأندلس الخالدة".


ونختتم إطلالتنا على صفحات ولوحات كتاب "عروق الزمن" بالإشارة إلى أن سناء هيشري لطالما اعتقدت أن الفنان يحتاج إلى وسيط يروي حكايته، وناقدٍ يفسّر، وكاتبٍ يحلّل، وعينٍ خارجية تُضيء مساره.


لكنها مع مرور الوقت اتخذت مساراً آخر، وقررت ان تكتب هي عن فنها، لتؤكد في هذا السياق على أن الفنان حين يكتب عنه فنه فإنه لا يشرح نفسه، بل يشهد بأنه موجود، يتنفّس اللون ويعرف من أين تأتي حركته، ولماذا يقذف المادّة بهذا الشكل، وكيف تتراكم تلك الفورة الخلاّقة حتى تصير نورًا.


تقول مؤلفة كتاب "عروق الزمن": لماذا أطلب من أحد أن يصف عالمي، وأنا من شيّده؟

ولماذا أبحث عمّن يترجم نبضي، وذلك النبض يعبر أصابعي كلّ يوم ليشتعل فوق لوحاتي؟

وترى المؤلفة بأن الناقد يرى العمل من الخارج، بتاريخه وذائقته الخاصة، أما هي فُشاهدة على لحظة الإبداع، وترى العمل الفني من الداخل منذ الفكرة التي كانت تهمس قبل أن تصير لونًا، ومنذ الصرخة الصامتة التي تسبق كل وجه يولد من الضوء.

وتؤكد على أن الكتابة ليست فعل كبرياء، بل فعل حقيقة. وأنها لا تكتب لتلغي نظرة الآخرين، بل لتكشف ما يسبق تلك النظرة.


يُذكر أن سناء هيشري فنانة تشكيلية وكاتبة بلجيكيّة من اصول تونسيّة، درست في الاكاديمية الملكية للفنون الجميلة ببروكسل، وتتمتع بعضوية اتحاد الفنانين التشكيلين التونسيين، ولديها مسيرة عقدين من الزمن في مجال الفن التشكيلي و تدريس قواعد و تقنيات الفنون الجميلة.


 أقامت "هيشري" معارض فنية فردية ومشتركة، وشاركت في فعاليات وورش فنية في بروكسل و دبي و تونس ، كما نالت العديد من الجوائز والتكريمات العربية والدولية، وقد صدر لها كتاب بعنوان "نضال من ألوان"، ثم كتابها الأخير الذي بين أيدينا "عروق الزمن"، والكتابان صادران عن دار نقوش عربية للنشر في تونس.

 تقدير و تكريم لمساهمتها في تطوّر الفن التشكيلي في البلدان العربية اضافة إلي مشاركتها في لجان التقييم للمسابقات التشكيليّة، وقد صدر كتابها الأول "نضال من ألوان" عن دار نقوش عربية، ثم كتابها الثاني "عروق الزمن" الذي بين إيدنا، وهو صادر عن دار Nirvana  للنشر و التوزيع.