«قهوة البوابين».. محمد البرعي يكتب السيرة الخفية لشعراء الإسكندرية في إصدار جديد

على الشوكى
«قهوة البوابين».. محمد البرعي يكتب السيرة الخفية لشعراء الإسكندرية في إصدار جديد



في محاولة لاستعادة زمن ثقافي شكّل أحد أكثر الفصول ثراءً في تاريخ الإسكندرية الأدبي، تستعد دار أم الدنيا للدراسات والنشر والتوزيع، الحائزة على لقب أفضل ناشر مصري لعام 2026، لإصدار كتاب «قهوة البوابين: سيرة شعراء الإسكندرية» للشاعر والكاتب محمد البرعي، في عمل يتجاوز حدود التوثيق التقليدي ليقدم شهادة إنسانية وأدبية عن جيل كامل صنع ملامح المشهد الشعري في المدينة.

ويأتي الكتاب بوصفه الإصدار الأول من سلسلة «الناس الحلوة»، وهي سلسلة تراهن على إعادة الاعتبار للذاكرة الثقافية المصرية، عبر استحضار الشخصيات والتجارب التي تركت أثرًا عميقًا في الوجدان، بعيدًا عن السرد الرسمي أو التأريخ الجامد.

لا يتعامل البرعي مع "قهوة البوابين" باعتبارها مجرد مقهى ارتاده الشعراء، بل يجعل منها بطلةً موازية للنص؛ فضاءً احتضن الأحلام الأولى، والنقاشات الساخنة، والقصائد التي وُلدت على الطاولات الخشبية، والصداقة التي انتصرت على المنافسة. ففي هذا المكان تشكلت ملامح جيل التسعينيات من شعراء الإسكندرية، حيث كانت القهوة أشبه بمنتدى ثقافي مفتوح، تلتقي فيه الفنون بالأسئلة الكبرى، ويتجاور الشعر مع التشكيل والموسيقى والفلسفة في مشهد يعكس روح المدينة المتوسطية.

ويضم الكتاب مختارات من قصائد شعراء الجيل، إلى جانب حكايات ومواقف وذكريات شخصية تكشف الجانب الإنساني للمبدعين، وتعيد رسم صورة الحياة الثقافية في الإسكندرية خلال تلك المرحلة، بما حملته من دفء العلاقات ونقاء التجربة، بعيدًا عن صخب الأضواء أو حسابات الشهرة.

ولا يكتفي المؤلف بتسجيل الوقائع، بل يغوص في ما يمكن وصفه بـ"التاريخ السري" لجيل كامل؛ تاريخ لم تُدوِّنه الصحف ولا الوثائق، وإنما حفظته الذاكرة الجماعية، والحوارات الممتدة، والليالي التي كانت القصيدة فيها وسيلة لاكتشاف الذات والعالم. ومن خلال لغة تمزج بين

الحس التوثيقي والنبرة الأدبية الساخرة، ينجح البرعي في تحويل الوقائع إلى مشاهد نابضة بالحياة، تجعل القارئ شريكًا في تلك التجربة، لا مجرد متلقٍ لها.















ويحمل الكتاب أيضًا قيمة بصرية مميزة، إذ تتضافر فيه أعمال عدد من أبرز الفنانين التشكيليين، حيث يتزين الغلاف بلوحة للفنان الراحل محمد حاكم، بينما يحمل الغلاف الخلفي بورتريه للفنان الكبير جورج البهجوري، وتتوزع داخل صفحاته لوحات للفنان سمير عبد الغني، الذي كان شريكًا في ولادة المشروع عبر مبادرة فنية ومعرض تشكيلي دعما فكرة الكتاب، ليغدو العمل في مجمله رسالة وفاء ومحبة لكل من أسهم في إثراء المشهد الثقافي السكندري.

كما يتصدر الكتاب تقديم للكاتبة والإعلامية مروة عز الدين، التي تضع العمل في سياقه الثقافي، باعتباره محاولة جادة لإنقاذ ذاكرة جيل كامل من النسيان، وإعادة تقديمها للأجيال الجديدة بوصفها جزءًا من تاريخ الإبداع المصري.

ويبدو «قهوة البوابين» أقرب إلى سيرة مدينة منها إلى سيرة أفراد؛ فالكتاب يستعيد الإسكندرية التي كانت تُكتب في المقاهي، وتُناقش في الأرصفة، وتُروى في صداقات طويلة، حيث يصبح المكان شاهدًا على ولادة القصيدة، ويغدو الشعر وسيلة لحفظ ذاكرة المدينة، قبل أن يكون مجرد نصوص تُقرأ. ومن هنا تكتسب هذه التجربة أهميتها، بوصفها وثيقة أدبية وإنسانية تعيد إحياء زمن ظل حاضرًا في ذاكرة مبدعيه، وإن غاب عن صفحات التاريخ الرسمي.