الباحثة مي بكليزي تدرس ديوان ليلى الأخيلية نقدياً وأسلوبياً

حجاج سلامة
الباحثة مي بكليزي تدرس ديوان ليلى الأخيلية نقدياً وأسلوبياً


عمّان -  كافيين ارت نيوز

تقدم الباحثة د.مي خالد بكليزي في كتابها "ديوان ليلى الأخيلية: دراسة نقدية أسلوبية" قراءة واعية تنصف شاعرة بقي صوتها حاضراً عبر القرون، وخُلِّدت كواحدة من الأصوات الشعرية التي استطاعت أن تحول التجربة الإنسانية بكل صراعاتها وآلامها وأحلامها إلى شعر متجذر.

ولا يكتفي الكتاب الصادر عن "الآن ناشرون وموزعون" بالأردن (2026) بتتبع سيرة ليلى الأخيلية أو جمع أخبارها، بل يتجه إلى تحليل تجربتها الشعرية من خلال منهج نقدي حديث، هو الأسلوبية التكوينية، في محاولة للكشف عن العلاقة بين اللغة الشعرية وشخصية الشاعرة وبيئتها وتجربتها الإنسانية بعامة.

وتختار المؤلفة المنهج الأسلوبي لأنه يمنح النص الشعري فرصة للقراءة من الداخل، بعيدا عن إسقاط الأحكام الخارجية عليه، فالأسلوبية هنا لا تنظر إلى الشعر بوصفه مجموعة ألفاظ فقط، وإنما تبحث في طريقة تشكل المعنى، ودور المفردة والصورة والإيقاع والبناء الفني في إنتاج الدلالة.

يتضمن الكتاب مقدمة ومدخل وتميداً وأربعة فصول رئيسية، تناول أولها "الإطار اللغوي للأسلوب"، ودور الكلمات والأفعال والتراكيب في تشكيل المعنى الشعري، بينما بحث الفصل الثاني في "الأسلوب الفني" عند الشاعرة، مثل الانزياح والمفارقة والثنائيات الضدية والصورة الشعرية بما فيها التشبيه والاستعارة والكناية، أما الفصل الثالث فتناول "الإيقاع الشعري التطبيقي" سواء الخارجي أو الداخلي، من البحور والقوافي إلى التكرار والجناس والتوازي، في حين خصص الفصل الرابع "قراءات نصية وفق منظور الأسلوب والأسلوبية" لتحليل تجربتين شعريتين لليلى؛ إحداهما في رثاء توبة، والأخرى في مدح الحجاج. 

تكمن أهمية هذا الكتاب في اختيار شخصية شعرية تحمل الكثير من الأسئلة؛ فليلى الأخيلية لم تكن شاعرة تقليدية في زمنها، بل كانت امرأة ذات حضور اجتماعي وفكري، عرفت بقوة شخصيتها وفصاحتها، وعاصرت صدر الإسلام والعصر الأموي، وارتبط اسمها بقصة حبها الشهيرة مع الشاعر توبة بن الحمير، وهي القصة التي شكلت جانباً لا يُستان به من تجربتها الشعرية.

وتؤكد د.مي في كتابها على أن شعر ليلى كان فضاءً تتقاطع فيه التجربة الذاتية مع قضايا المجتمع والقبيلة والسلطة والمرأة، وقد استطاعت الشاعرة أن تجعل من تجربتها الخاصة مادة شعرية واسعة، تكشف عن شخصية امرأة تواجه ظروف عصرها بصوت واضح وحضور قوي.

وتشير الباحثة إلى أن جرأة ليلى الأخيلية تمثلت في إعلان حبها لتوبة دون خوف أو تردد، وهو أمر لم يكن مألوفًا في السياق الاجتماعي آنذاك؛ إذ كان صوت الرجل العاشق غالباً هو المسيطر في قصص الحب، بينما جاءت ليلى لتمنح التجربة العاطفية صوتاً أنثوياً صريحاً ومباشراً أيضاً. 

وتكشف بكليزي أن الشاعرة ليلى الأخيلية حازت على تقدير كبار الأدباء والنقاد قديماً، إذ أشاد بها عدد من الشعراء والعلماء، ورأى بعضهم أنها تجاوزت عدداً من الشعراء الفحول في جودة القول وقوة التعبير، ونبعت هذه المكان من شعرها ومن حضور شخصيتها، إذ عرفت مجالس الخلفاء والأمراء، وكانت قادرة على الحوار والمواجهة بثقة، كما يظهر في مواقفها مع معاوية وعبد الملك والحجاج.

وفي جانب اللغة، تؤكد المؤلفة أن لغة ليلى الأخيلية امتلكت قدرة عالية على تحويل التجربة الشخصية إلى بناء فني متكامل، فقد وظفت البيئة من حولها في شعرها، واستحضرت المكان والطبيعة والرموز المرتبطة بحياة البادية، كما استخدمت الإيقاع بما يخدم الحالة النفسية للنص، لتثبت عبر كل ذلك حضورها الأدبي والفني وامتلاكها أدوات البلاغة العربية والقدرة على توظيفها في شعرها، إلى جانب أنها لم تترك باباً من أبواب الإبداع إلا وطرقته، سواء في الصورة الشعرية أو الموسيقى أو في بناء المعنى.

ومن المميز أن هذا الكتاب يعيد طرح سؤال مهم حول حضور المرأة في التراث العربي؛ فليلى الأخيلية ليست مجرد شاعرة ارتبط اسمها بقصة حب، بل نموذجاً لإنسانة امتلكت وعياً بذاتها وقدرتها على التعبير والمواجهة، واستحقت لذلك القراءة النقدية الحديثة لأن شعرها ما يزال حيّاً وقادراً على إنتاج الأسئلة وتوليد الدلالات.