السرد وإبداع اللحظة التاريخية عبدالله السمطي يقرأ رواية: فيلق الإبل لأحمد السماري نقدياً

حجاج سلامة
السرد وإبداع اللحظة التاريخية  عبدالله السمطي يقرأ رواية: فيلق الإبل لأحمد السماري نقدياً



في كتابه الذي يصدر هذا الشهر عن دار إيقاعات بالقاهرة بعنوان (السرد وإبداع اللحظة التاريخية: مقاربة نقدية لرواية فيلق الإبل لأحد السماري)، يُركز الناقد المصري على رؤية التاريخ ما بين التسجيل والإبداع، على اعتبار أن العمل الإبداعي الذي تجسده الرواية يستلهم الحدث التاريخي ويحوله إلى حدث إبداعي تخييلي على الأرجح، وهو ما قام به الروائي أحمد السماري في روايته: (فيلق الإبل) . 

يقول السمطي في كتابه: "إنّ استلهام العناصر التاريخية في كتابة الرواية يفضي إلى أن يكون الروائي أكثر حساسية بالزمن، وأن يكون أكثر مقروئية في استشفاف بدايات الأحداث، ثم جريانها بوقائعها وأسبابها ونتائجها، ثم في كيفية استلهام خواتيمها، مع الأخذ بالاعتبار ما كتب عنها، وما سجله المؤرخون وأيضا: المبدعون. 

إنّ الأحداث التاريخية هي من صنع البشر، فهم الذين يتلاقون ويتحاورون ويتجادلون ويتخاصمون ثم يتحاربون، وهم من يشكلون مجريات الأحداث بحسب قدرتهم على الاختراق والتجاوز، وبحسب تاريخهم وهوياتهم، ومن هنا تترى الأحداث بشكل يتمكن فيه الأقوى من صنعها، إنها لا تمضي بالصدفة، ولا تحدث هكذا دون وعي، فهناك وعي شديد من لدن صانعيها بإحداث شرارتها الأولى وتأمل كيف ستمضي؟ وكيف تتشكل؟ وكيف تؤثر أو تتأثر. 



لكن النقطة الكبرى التي تنبثق من هذه الأحداث أو تلك هي مسألة: الصدمة، حين تمضي الأحداث بما هو غير متوقع، أو غير منتظر، وهذا قد يحدث كثيرا في مجريات الأحداث التي تحدث ما بين قوي وضعيف، فقد تأتي الأحداث بما يرجو هذا أو بما يتأمل ذاك". 

ويضيف السمطي: وفي ظل هذا الوعي فإن الروائي ينهض هنا بثلاث حالات تشكل الركيزة المبدئية للعملية السردية في روايته:

1- انبثاق الحدث وطريقة عرضه وتفجيره كنقطة بدء، تكبر تدريجيا. 

2- رصد جريان الأحداث خطوة خطوة، وانتقالة بعد انتقالة عبر سردية الأحداث وتوصيفها.

3- الوصول إلى نتائج صادمة أو مدهشة أو مغايرة للأحداث الأصلية. 

وهذه الحالات تتأدى بشكل سردي يعمّقُ من وقع اللحظة الحدثيّة، ومن وقع حضور الشخصيات وتلاقيها الحواريّ الذي يُجدلُ الفكرة ويصنع تحوراتها وتحولاتها داخل السياق السردي العام للرواية. 

ويفرق السمطي في كتابه ما بين الحدث التاريخي والأفق السردي الذي قدمته الرواية ويرى أنّ ابتكار الروائي لحدث تاريخي ما ، وإعادة نسجه سرديًّا في شكل رواية، يحفزه على التقاط العناصر البارزة في هذا الحدث، وصنع تمفصلات سردية منها، والدخول إلى واقعها الفيزيقي الذي حدث بالفعل، والتوغل فيه تخييليًّا ليصنع لنا أحداثًا أخرى افتراضية ، كأنه ينقل ميتافيزيقا الحدث عبر تأملاته وأخيلته، وعبر تقمصه للحظة التاريخية ذاتها، فضلا على لحظته الراهنة المعاصرة التي تطل على الحدث من منظور المتأمل القارئ وكأنه يشاهد فيلما سينمائيًّا تاريخيًّا تترى الأحداث أمامه وتتحرك الشخصيات وتتتالى الوقائع. 

وإذا كانت رواية: (فيلق الإبل) تنشدُ هذا الخطاب الواعي، فإنها تنقل للقارئ منظومة حركية من الأحداث التي يمتزج فيها المونولوج بالديالوج، والوصفيّ بالحواريّ، مشكلة حالة سرديّة يسري في أجوائها عبق اللحظة التاريخية، وتطلّ من وراء كلماتها رؤى وأزمنة وتأملات. 

ويوضح السمطي ذلك بالقول: في الأفق التاريخي الذي يتوامض في جسد الرواية، لا نتصور أن الروائي سوف يذهب إلى تسجيل التاريخ، وتواتره المنهجي من حدث لآخر، وهذا التسجيل من الفروض الموضوعية التي يتطلبها عمل المؤرخ، لكن الروائيّ يذهب إلى فضاءات أخرى في تشكيل عمله الروائي، إذ يعتمد على التخييل كفعل فنّي جماليّ، وكعمل سرديّ لا تؤطره صرامة الحدث التاريخيّ ولا صيرورته الحدثية التي قد تنقلها مصادر متعددة، وإذا كان عمل المؤرخ هو عمل تسجيليّ يدوّن فيه الأحداث بحذافيرها كما تنقلها المصادر والمراجع والوثائق، فإن عمل الروائيّ هو عمل إبداعيّ في المحلّ الأول ، سوف يتم ابتكاره عبر ما هو تخييليّ وما هو فنّي جماليّ يرتبط بآليات السرد وطرق البناء الروائي ومحتواه ولغته وأسلوبه. 

يتشكل الكتاب من ثلاثة فصول تتناول العلاقة بين الأفق التاريخي التسجيلي والأفق السردي الإبداعي، وحركة الاغتراب والسفر من لدن شخصيات الرواية ورؤية الآخر، والتجليات السردية التي أبرزها الروائي في روايته عبر استنطاق مستويات السرد ولغته وأساليبه، ويصدر الكتاب عن دار إيقاعات للطبع والنشر بالقاهرة. 

إن توشيح الخطاب الروائي برؤية تاريخية – كما يرى السمطي - حدثت بالفعل، سيقلنا إلى أحداث حدثت هناك في لحظاتها الزمنية، الانتقال هنا سيأخذنا إلى ماضي الحدث وفي الوقت نفسه إلى حاضر الرواية، وفي فضاء هذه الجدلية سوف نروم استقراء الخطاب الروائي وتأمله، تبعًا لرؤى سيميولوجية تذهب إلى معانقة السرد الروائي بتمفصلاته الدلالية وبناه الدالة، ولغته، وأسلوبه، وإلى مكاشفة حالات الجدل والتوتر بين آليات هذا الخطاب ودرامياته المتعددة. 

وإذا كانت رؤية الحدث التاريخي الذي وقع في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وفي ظلال الحرب الأهلية الأمريكية (1861-1865) تبرز كجوهر سردي يتوامض في تجليات الخطاب الروائي وخلفياته، فإن المقاربة النقدية المثلى لن تهمل أية عناصر ناتئة في هذا الخطاب، بدءا من عتبات العمل الروائي، وليس انتهاء بسرده ومضامينه ودلالاته الهادئة الكامنة في ميتافيزيقا الكلمات، أو تلك الصاخبة والبارزة.