بين سحر السلتيك وأصالة مصر.. هل سرق الغرب نغمات الفراعنة؟

كافيين آرت نيوز
بين سحر السلتيك وأصالة مصر.. هل سرق الغرب نغمات الفراعنة؟

 

 

   ماجد الحداد- مصر

 

تظل الموسيقى هي اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة، لكنها في علم "الأنثروبولوجيا" تحمل بصمات الشعوب وهوياتها العميقة. وحين نتأمل في جماليات الموسيقى الأوروبية، وتحديداً "السلتية" والإيطالية، نجد أنفسنا أمام تساؤل مثير: هل تحتفظ هذه الأنغام بـ "جينات" مصرية قديمة فقدناها نحن في زحام التأثيرات الوافدة؟

الموسيقى السلتية: تبريد للروح في أحضان الغموض:

 

تأتي الموسيقى السلتية (أو الكلتية) كأجمل ما أنتجته القوميات الشعبية في شمال وغرب أوروبا، من بريطانيا وأيرلندا إلى اسكتلندا. إنها موسيقى لا تُطرب الأذن فحسب، بل تعمل كـ "مبرد طبيعي" لحرارة الجسد، وتهدئ نزعات الغضب في القلب، وتأخذ العقل إلى عوالم بعيدة لمدن مفقودة فوق قمم الجبال التي تغطيها السحب.

 

ما يميز هذه الموسيقى هو انضباطها الشديد، ووضوح نغماتها وقفلاتها "المعشقة" في الفكرة الموسيقية. واللافت للنظر أن معظم الآلات المستخدمة فيها ذات أصل مصري صريح، مثل "الهارب" والناي والمصفقات، وحتى "مزمار القربة" هو تطور لفكرة المزمار، بينما يظل الكمان (الفيولين) وافداً متأخراً ليس له جذور مصرية.

أسطورة "سكوتا" والهروب إلى الشمال:

 

يتداول الاسكتلنديون أسطورة تأسيسية تحكي عن الأميرة المصرية "سكوتا" التي هربت من مصر واستقرت في بلادهم، ناقلةً معها تفاصيل ثقافتها الموسيقية. ورغم صعوبة إثبات ذلك أثرياً في تلك العصور السحيقة، إلا أن المؤكد أن الموسيقى السلتية هي آخر المعاقل التي احتفظت بعناصر الموسيقى المصرية القديمة بروح أوروبية، بعد أن تغيرت تلك العناصر في مصر نفسها نتيجة رياح التأثيرات الآشورية والفارسية.

 

حين يلتقي الشرق بالهندسة الأوروبية:

 

في المرتبة الثانية من حيث الجمال، تأتي الموسيقى الإيطالية التي تصفها النفس بأنها موسيقى "شهية وفرحة". تكمن عبقريتها في الجمع بين "الروح الشرقية" القريبة من وجداننا، وبين "الانضباط الهندسي" الطموح للكمال في البناء. هذا التفوق الجمالي يظهر حتى في الألحان البسيطة، حيث تتفوق الإيطالية على الفرنسية بكونها الأكثر قرباً للروح الشرقية والوضوح الوجداني.

 

الموسيقى الأوروبية مقابل "الفوضى" الأمريكية:

 

عند مقارنة الموسيقى الأوروبية بنظيرتها الأمريكية، تبرز فروق جوهرية:

الوضوح والتركيز: الأوروبية تمتاز بركوز أوضح في المقامات، مما يجعل المعنى الموسيقي مفهوماً للوجدان.

    الشجن الرومانسـي: تحفز الأوروبية التأمل العاطفي، عكس الأمريكية التي تبدو "حرة لدرجة الفوضى"، مما قد يطمس الفكرة الأساسية خلف جموح التعبير.

 

    الهوية الحضارية: الموسيقى الأمريكية فقدت "توابل" الهوية الحضارية، ورغم أصولها الأفريقية العميقة، إلا أن التدخلات اللاحقة جعلتها تفتقد الطعم الأصيل، مما يجعل سماعها يحتاج إلى "فهم" ذهني أكثر منه "شعوراً" وجدانياً.

 

الصمود المصري والترهل الفارسـي:

 

تاريخياً، بدأت الموسيقى الفارسية والرافدية بالتسلل إلى مصر منذ عصر الهكسوس، لكن الكهنة منعوا دخولها المعابد للحفاظ على قداسة التراث المصري. ومع حدوث القطيعة التاريخية، تغلغلت الموسيقى الآسيوية والبيزنطية، ثم العثمانية لاحقاً، وفرضت نفسها بعباءة "القداسة الدينية".

وعلى عكس الموسيقى المصرية التي تمتاز بالثراء (البوليوفوني) والتماسك، توصف الموسيقى الفارسية والتركية بـ "الترهل" واعتمادها على الأداء (المونوفوني) ذو اللحن الواحد المفتقر للخيال والهارموني.

 

الهروب من التأثير التركي:

 

في العصر الحديث، ورغم أن الشكل الموسيقي الآسيوي والتركي أثر في أعمال عظيمة كأعمال "أم كلثوم"، إلا أن عباقرة مثل سيد درويش، محمد عبد الوهاب، وعمار الشريعي، حاولوا جاهدين "قصقصة" هذا الترهل والهروب من التأثير التركي، وصولاً إلى مشروع محمد منير الذي حاول استعادة الهوية القومية المصرية.

 

إن الشعوب تتبادل الثقافات، لكن يبقى الأصل مصرياً، طوّره الأوروبيون وحافظوا على ملامحه، بينما غرق الشرق في ألحان وافدة تفتقر إلى الانضباط الفلسفي الذي وضعه أجدادنا الأوائل كسرّ من أسرار الآلهة.

 

هوامش:

1. القطيعة التاريخية (Historical Rupture)

 

يقصد الباحث بهذا المصطلح اللحظة الفارقة التي ينفصل فيها شعب ما عن تراثه الحضاري القديم ويبدأ في تبني أنماط غريبة عنه، نتيجة تحولات سياسية أو دينية أو استعمارية كبرى.

في سياق المقال، يقصد القطيعة بين "الشخصية المصرية القديمة" وبين "المصري المعاصر"؛ حيث يرى الباحث أن المصريين في مرحلة ما (بدأت بوضوح منذ العصور المتأخرة وتكرست في العصور الوسطى) توقفوا عن تطوير موسيقاهم الأصلية التي تعتمد على الانضباط والهارموني، واستسلموا لـ "هبوب رياح" الموسيقى الآسيوية (الفارسية والتركية) التي وفدت مع الحكام الجدد، حتى أصبحنا نعتبر هذه الموسيقى الوافدة هي "تراثنا الأصيل" بينما هي في الحقيقة دخيلة، والموسيقى المصرية الأصلية "هربت" إلى أوروبا عبر اليونانيين أو استقرت في شمال القارة (لدى السلتيين).

2. المونوفوني (Monophony)

 

    المعنى اللغوي: "مونو" تعني واحد، و"فوني" تعني صوت. أي "الصوت الواحد".

 

    المعنى الموسيقي: هو أسلوب يعتمد على خط لحني واحد فقط يؤديه الجميع (سواء كان مغنياً واحداً أو مجموعة) دون وجود أصوات أخرى مصاحبة تختلف عنه في النغمات.

 

    في المقال: وصف الباحث الموسيقى الشرقية بـ "المونوفونية المترهلة" يشير إلى أنها تعتمد على "التطريب" الفردي والزخارف اللحنية الكثيرة (العرَب) على مقام واحد، دون وجود بناء معماري موسيقي متعدد الطبقات، وهو ما يراه "ترهلاً" لأنه يفتقر إلى الضبط الهندسي.

 

3. البوليوفوني (Polyphony)

 

    المعنى اللغوي: "بولي" تعني متعدد، و"فوني" تعني أصوات. أي "تعدد الأصوات".

 

    المعنى الموسيقي: هو أسلوب يعتمد على تداخل عدة خطوط لحنية مستقلة في وقت واحد، بحيث تسمع أكثر من نغمة مختلفة لكنها منسجمة تماماً (مثل "الكورال" حيث يغني كل قسم طبقة مختلفة لكنهم يشكلون لوحة واحدة).

 

    في المقال: يرى الباحث أن الموسيقى المصرية القديمة (التي انتقلت لأوروبا) كانت "بوليوفونية"؛ أي أنها كانت موسيقى علمية، مشدودة، ومبنية على طبقات منسجمة (هارموني)، وهو ما يجعلها "متماسكة ونبيلة" مقارنة بالارتجال المونوفوني الآسيوي.

 

4. الموسيقى "المعشّقة"

 

هذا المصطلح استعاره الباحث من فنون العمارة والنجارة (مثل الخشب المعشق). ويقصد به في الموسيقى أن النغمات والقفلات متداخلة ومحكمة الربط بحيث لا يوجد فراغ أو عشوائية في اللحن، بل كل نغمة تسلم الأخرى بدقة رياضية، وهو ما يميز الموسيقى السلتية التي يراها امتداداً للعقلية المصرية القديمة التي برعت في الهندسة.

المصادر : ـ دكتور هانز هيكمان اول عالم في موسيقى مصر القديمة . من المانيا في القرن العشرين ، وابحاثه وكتبه مثل : منوعات موسيقية ، وأربعين قرنا من موسيقى مصر القديمة .. . _ استاذ دكتور / خيري الملط . رائد لموسيقى مصر القديمة في الشرق الأوسط . المشرف على الدراستات العليا للعلوم الموسيقى المصرية القديمة . محاضراته وكتابه : الموسيقى والمجتمع في مصر القديمة . _ محاضرات دكتورة / ايمان عثمان ، متخصصة في المصريات وتاريخ وانثروبولوجيا الحضارات الشرقية.وفي موادها التذوق الفني ، في العادات والتقاليد المصرية . _ افلاطون في كتابيه : الجمهورية ، والقوانين . _ تطبيق نظرية في علم الجمال للفيلسوف الانجليزي / كولنجوود _ الموسيقار/ محمد عبد الوهاب في مذكراته . _ الآثار المصرية الجداريات الموسيقية ، والالات في المتاحف ، وآثار حضارة بلاد الرافدين جداريات الموسيقية والالات بالمتاحف. _ ابحاث ماجد الحداد لعناصر الثقافة والربط والمقارنة الانثروبولوجية للانتاج الحضاري .

 -------------------------------------------------------

مفاتيح لفهم أسرار الموسيقى:

ربما تبدو بعض المصطلحات التي ساقها الباحث "ماجد الحدادا" ذات طابع أكاديمي، لكنها في جوهرها تلمس وجداننا الموسيقي اليومي. فحين نتحدث عن "القطيعة التاريخية"، فنحن نشير إلى تلك اللحظة التي استبدلنا فيها "الهندسة الموسيقية" المصرية الصارمة بزخارف وافدة غيرت هويتنا النغمية.

 

كما يكمن الفرق الجوهري في الصراع بين "المونوفونية" التي تركز على تطريب الصوت الواحد (وهو ما اتسمت به الموسيقى الشرقية لاحقاً)، وبين "البوليوفوني" أو تعدد الأصوات المتناغمة التي ميزت جذورنا القديمة وانتقلت لتصيغ وجدان أوروبا "السلتية". إنها دعوة لإعادة اكتشاف أذواقنا: هل نحن بصدد استعادة هويتنا الموسيقية "المشدودة" والمنضبطة، أم أننا انحزنا نهائياً لتلك الروح الشرقية المترهلة؟

 

شاركونا آراءكم: هل تجدون في الموسيقى السلتية أو الإيطالية صدىً لروح مصرية قديمة لا نجدها في موسيقانا الحالية؟

رئيس التحرير