معرض طريق الحرير في فوجيان تتويج بصري لرحلة الفن العربي في الصين

حجاج سلامة
معرض طريق الحرير في فوجيان تتويج بصري لرحلة الفن العربي في الصين



ضمن فعاليات الدورة الرابعة عشرة من ملتقى الفنانين العرب في الصين طريق الحرير أقيم معرض فني جماعي بمتحف فوجيان في جنوب شرقي الصين ليشكل تتويجا بصريا للتجربة الإبداعية التي خاضها الفنانون العرب المشاركون على مدار أكثر من أسبوعين من التفاعل الثقافي والفني

ويضم المعرض الأعمال التي أنجزها الفنانون خلال فترة الاعتكاف الفني والتي جاءت انعكاسا مباشرا لرحلتهم بين بكين ومقاطعة فوجيان حيث تعرفوا على أبرز المعالم التاريخية والتراثية والطبيعية وهو ما أتاح لهم استلهام رؤى تشكيلية جديدة تمزج بين خصوصية التجربة العربية وثراء المشهد الصيني

ومن بين الأعمال اللافتة في المعرض عمل الفنانة التشكيلية العمانية مريم الزدجالي الذي جاء بعنوان حوار الدوائر ستة أوطان في مدار الحضارة وهو عمل مركب من ثلاث لوحات متداخلة يقوم على فكرة الدوائر التي لا تلغي بعضها بل تكمل بعضها في تجسيد بصري لفلسفة الوئام في الاختلاف

ويستند العمل إلى المقولة الصينية الشهيرة 和而不同 美美与共 والتي تعني الوئام في الاختلاف والجمال في التشارك حيث كتبت داخل اللوحات لتصبح جزءا من البناء الفني والرمزي للعمل وتعكس روح الملتقى

وتتكون اللوحة من ست دوائر تمثل ستة أوطان مشاركة في الملتقى حيث تمثل كل دائرة نافذة على حضارة من خلال معلم بصري يعكس هوية الدولة بينما تدور هذه الدوائر في فلك دائرة كبرى ترمز إلى الحضارة الصينية العريقة في رؤية تعبر عن التلاقي الثقافي

ويبرز في العمل تداخل اللون الأحمر الذي يحتضن الحرف العربي مع اللون البرتقالي الذي يحتضن الحرف الصيني في تناغم بصري يعكس حوارا حضاريا قائما على التكامل لا التصادم حيث تتحول اللوحة إلى خريطة معنى تؤكد أن التنوع مصدر ثراء وأن الحوار بين الثقافات يصنع عالما أكثر اكتمالا

وشهد الملتقى مشاركة فنانين من سلطنة عمان من بينهم مريم الزدجالي ويوسف النحوي وخالد الروشدي إلى جانب فنانين من المغرب: الفنانة عائشة آحرضان، والبروفيسور الفنان المنصوري الإدريسي محمد  

من مصر: الفنان محمد صبري بسطاوي  

من الأردن: الفنانة رانيا حمد البيايضة  

من الجزائر: الفنان ياسر عامر  

من تونس: الفنان فائز صفر  

 في حضور عربي متنوع عكس ثراء التجارب التشكيلية واختلاف مدارسها كما شهد حضورا مصريا مميزا عكس قدرة الفن المصري على التفاعل مع الثقافات المختلفة وتقديم رؤى بصرية تنتمي إلى هويته الحضارية

وفي كلمته التي ألقاها الدكتور البروفسور محمد المنصوري نيابة عن الفنانين العرب أكد أن هذا اللقاء يتجاوز كونه فعالية فنية ليصبح شهادة حية على قوة الفن في بناء الجسور بين الشعوب مشيرا إلى أن الوفد العربي جاء حاملا الشكر قبل الحبر والامتنان قبل القصيدة وأن الفنانين لم يستقبلوا كضيوف بل كرفاق درب في تجربة إنسانية عميقة

وأوضح أن الفنانين قدموا من أوطان متعددة من ضفاف النيل إلى جبال المغرب ومن الأردن والجزائر وسلطنة عمان لكنهم التقوا عند نبض واحد يجمعهم مؤكدا أن الحضارة الصينية لم تكن مجرد مكان للزيارة بل فضاء للفهم والتأمل حيث تعلموا أن الفن ليس زخرفة بل خلاصة الروح وأن قطرة الحبر قد تكون بداية كون

وتوقف المنصوري عند ما وصفه بدرس الفراغ موضحا أن الفراغ ليس غيابا بل مساحة ينتظر فيها المعنى أن يولد وهو ما انعكس في التلاقي بين الخط العربي والفن الصيني حيث التقت الفرشاة بالخطوط والتقت الحكمة الشرقية بروح التصوف العربية

وأشار إلى أن هذا الملتقى ليس حدثا عابرا بل دليل على أن الفن لغة تتجاوز الحدود وقوة ناعمة تنتصر حيث يعجز الضجيج مؤكدا أن الفنانين لا يعودون إلى أوطانهم محملين بالمقتنيات بل ببوصلة جديدة تعلموا من خلالها أن ينظروا بعمق ويصغوا أكثر ويؤمنوا بأن الجمال طريق مشترك بين الشعوب

ويعد هذا المعرض جزءا أساسيا من برنامج الملتقى الذي انطلق عام 2009 وأصبح منصة بارزة للتبادل الثقافي بين الصين والعالم العربي حيث يجمع الفنانين في تجربة مشتركة تقوم على الحوار والإبداع والتفاعل مع المكان

ويجسد المعرض خلاصة هذه الرحلة حيث يتحول طريق الحرير من مسار تاريخي إلى مساحة معاصرة للحوار الفني ويؤكد أن الفن يظل اللغة الأقدر على بناء الجسور وترسيخ ذاكرة مشتركة بين الشعوب وأن ما بدأ كرحلة فنية تحول إلى أثر إنساني وثقافي ممتد لا يمحى