من الأرشيف إلى التحليل: اندحار الاستعمار البرتغالي في عُمان

حجاج سلامة
من الأرشيف إلى التحليل: اندحار الاستعمار البرتغالي في عُمان




بعد تدشين صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان القاسمي موسوعته الوثائقية الضخمة "البرتغاليون وبحر عمان"، التي تعد من الأعمال الوثائقية الهامة في تاريخ الخليج العربي وعُمان، والذي وضع بين يدي الباحثين كنزاً أرشيفياً يتتبع قرنين ونصف من الزمان بنظام الحوليات الدقيق، يأتي كتاب «اندحار الاستعمار البرتغالي في عُمان (1622–1650): قوة مترنحة على ساحل عُمان العربي»، بترجمة وإعداد الشيخ محمد بن عبدالله الحارثي، بوصفه عملاً لا يمكن قراءته كملحق أو إضافة هامشية، بل باعتباره حلقة تفسيرية مركزية تعيد ترتيب فهم السلسلة بأكملها.


فهذه الموسوعة، في بنيتها الأصلية، تقوم على التتبع الحولي الدقيق للأحداث عبر قرنين ونصف تقريباً، حيث تُعرض الوقائع سنةً بعد سنة، بما يوفّر ثراءً وثائقياً استثنائياً، ويجعل القارئ أمام أرشيف شبه كامل للحضور البرتغالي في بحر عُمان والخليج، غير أن هذا النمط، على الرغم من قوته، يترك فراغاً تفسيرياً طبيعياً: كيف تتحول هذه الوقائع المتراكمة إلى مسار تاريخي واضح المعالم، خصوصاً في لحظة التحول الكبرى من الهيمنة إلى الاندحار.


هنا تحديداً تتجلى أهمية كتاب الحارثي، فهو لا يضيف مجرد معلومات جديدة، بل يعيد صياغة المرحلة الحاسمة بين 1622 و1650م بوصفها مرحلة مفصلية في تفكك المشروع الإمبراطوري البرتغالي، إذ يوضح منذ مقدمته أن هذه العقود الثلاثة تمثل زمن انكشاف حدود القوة البرتغالية، بدءاً من خسارة هرمز سنة 1622م، مروراً بإعادة تموضع البرتغاليين في مسقط، وصولاً إلى طردهم النهائي سنة 1650م على يد الإمام ناصر بن مرشد اليعربي، وهو الحدث الذي أنهى وجودهم على الساحل العربي بعد نحو قرن ونصف من السيطرة البحرية.


إن القيمة العلمية الأولى لهذا الكتاب تكمن في نجاح الكتاب في تحويل "لحظة السقوط" من حدث عسكري منفصل إلى عملية تاريخية مركبة، رابطاً بين تراجع القدرة اللوجستية والمالية للبرتغاليين، وبين صعود القوة العُمانية المنظمة بقيادة اليعاربة، فالمجلدات المختلفة من السلسلة توثق بدقة ما جرى: حملات، حصارات، تحصينات، تحالفات، وتبدلات في مراكز القوة، لكنها، بحكم طبيعتها الحولية، لا تدمج هذه العناصر دائماً ضمن إطار تفسيري واحد، أما هذا الكتاب فيعيد ترتيب هذه الأحداث ضمن منطق واضح: انتقال مركز القوة من هرمز إلى مسقط، وتراجع القدرة اللوجستية والمالية، وتصاعد الضغط الإقليمي من القوى الأوروبية المنافسة، وفي الوقت نفسه صعود القوة العمانية المنظمة بقيادة اليعاربة، وبهذا يصبح الاندحار نتيجة لتفاعل هذه العوامل، لا مجرد نتيجة معركة أو قرار سياسي.


ومن أبرز إضافات الكتاب أيضاً أنه يعيد تعريف الوجود البرتغالي نفسه، ففي حين توحي بعض قراءات السلسلة بوجود قوة ثابتة تمتد زمنياً حتى لحظة انهيارها، يقدم هذا الكتاب مفهوماً مختلفاً، يتمثل في توصيف الوجود البرتغالي خلال هذه المرحلة بوصفه «قوة مترنحة»، أي قوة ما زالت تحتفظ ببعض أدوات السيطر كالقلاع والأساطيل، لكنها فقدت توازنها الاستراتيجي، فهذا التحول المفاهيمي بالغ الأهمية، لأنه يسمح بإعادة قراءة كثير من الوقائع الواردة في المجلدات بوصفها علامات ضعف تدريجي، لا مجرد أحداث عسكرية منفصلة.


ومن أهم المكتسبات المعرفية في هذا العمل هو "إنصاف الفاعل العُماني" داخل السردية التاريخية، فبعد أن كان العمانيون يظهرون في النصوص البرتغالية كطرف رد فعل، يضعهم هذا الكتاب في مركز التحليل بوصفهم قوة تاريخية صاعدة استطاعت أن تحول المقاومة إلى مشروع سياسي وعسكري متكامل، ويؤكد أن تحرير مسقط سنة 1650م لم يكن حادثة معزولة، بل كان نتيجة مسار طويل من التنظيم والتعبئة وإعادة بناء القوة المحلية، وهو ما يمنح السلسلة بُعداً تفسيرياً يتعلق بتاريخ تشكّل الدولة العمانية، لا مجرد تاريخ مواجهة استعمارية.


ومن جهة المنهج، يضيف الكتاب بعداً أكاديمياً متقدماً إلى المجموعة، إذ يعتمد على تحليل مقارن للمصادر البرتغالية والعربية والفارسية، ويستخدم أدوات التاريخ السياسي والعسكري لفهم طبيعة المشروع الاستعماري وحدوده، وهذا يختلف عن منهج السلسلة الذي يقوم أساساً على التجميع والتوثيق، وبهذا المعنى، فإن الكتاب لا يكرر ما ورد في الموسوعة، بل يعيد قراءته ضمن إطار نظري أوسع، مما يفتح المجال أمام إعادة تفسير عدد كبير من الوثائق التي تحتويها المجلدات.


كما تبرز أهمية الكتاب كذلك في تفسير التحول الجغرافي من هرمز إلى مسقط، فبينما قد يُفهم سقوط هرمز على أنه نهاية مباشرة للسيطرة البرتغالية، يوضح الكتاب أن ما حدث هو انتقال مركز العمليات إلى مسقط، التي أصبحت آخر معقل رئيسي لهم في الخليج، وهذا التحول لا يُفهم فقط بوصفه إعادة تموضع، بل بوصفه بداية مرحلة الانكماش الاستراتيجي، حيث تحولت القلاع من أدوات للسيطرة إلى أدوات للدفاع، وتحول الوجود البرتغالي من شبكة بحرية واسعة إلى نقاط محاصرة على الساحل.


ومن خلال هذا التحليل، ينجح الكتاب في تقديم تفسير متعدد المستويات للاندحار: فهو لا يعزوه إلى عامل واحد، بل يربطه بعوامل جغرافية (صعوبة السيطرة على الساحل العماني)، واقتصادية (تراجع الموارد)، وسياسية (تحولات التحالفات الدولية)، وعسكرية (صعود القوة العمانية)، ودولية (المنافسة الأوروبية)، وهذا التكامل في التفسير يمثل إضافة نوعية للمجموعة، لأنه يرفعها من مستوى “أرشيف تاريخي” إلى مستوى “تحليل تاريخي مركب”.


وعلى مستوى أوسع، يربط الكتاب بين نهاية الوجود البرتغالي في عمان وبين بداية تشكّل فضاء سياسي جديد في المنطقة، تقوده قوة محلية قادرة على المبادرة البحرية، وهذا الربط يمنح السلسلة امتداداً زمنياً ومعرفياً يتجاوز حدودها المباشرة، ويجعلها جزءاً من سردية أكبر تتعلق بتاريخ الدولة والسيادة في الخليج.


وعليه، فإن كتاب «اندحار الاستعمار البرتغالي في عُمان» يضيف إلى مجموعة «البرتغاليون وبحر عمان» بعداً تفسيرياً حاسماً يتمثل في تحويل المرحلة الأخيرة من الوجود البرتغالي من مجرد سلسلة أحداث إلى قصة تاريخية متكاملة عن تفكك إمبراطورية وصعود قوة محلية بديلة، وبهذا يصبح ليس فقط مكملاً للسلسلة، بل مفتاحاً ضرورياً لقراءتها قراءة عميقة، لأنه يقدّم الإطار الذي تنتظم داخله مادتها الوثائقية الغزيرة، ويمنحها معناها التاريخي الكامل.


ولا يمكن قراءة هذا الكتاب بمعزل عن القامة المعرفية لمترجمه، الشيخ محمد بن عبدالله الحارثي، فنحن أمام شخصية لم تتعامل مع الترجمة كفعل لغوي مجرد، بل كفعل وطني واستراتيجي، فالحارثي، مترجم عُماني حاصل على درجة البكالوريوس في إدارة الأعمال والمحاسبة ودرجة الماجستير في الاقتصاد من الولايات المتحدة الأمريكية عام (1981)، ولقد سخر الحارثي أدواته التحليلية لخدمة التاريخ العماني واستمر لأكثر من ربع قرن يبحث في الأرشيف البريطاني لإنتاج موسوعات تاريخية استراتيجية شملت موسوعة عُمان الوثائق السرية في 20 مجلداً، وموسوعة الوثائق البريطانية السرية.. جذور الدولة العربية الحديثة المكونة من 25 مجلداً تتناول تاريخ الخلافة العثمانية والالتزامات البريطانية والتغلغل الاستعماري والسياسات الدولية تجاه القومية العربية مما يعكس مشروعاً فكرياً يهدف إلى كشف الخلفيات الحقيقية لنشوء الدول العربية الحديثة، كما صدر له عن “الآن ناشرون وموزعون” من ترجمته: “شراء الوقت.. ديون وتنقل العمانيين في غرب المحيط الهندي“، توماس اف ماكدو، 2025. “تاريخ زنجبار المصور 1800-1964م“، رياض عبدالله سعيد البوسعيدي، 2025. “الماء والاستقرار القبلي في جنوب شرق المنطقة العربية.. دراسة عن الأفلاج في عمان“، جون ويلكينسون، 2025.  “ظل السلطان.. حكم عائلة واحدة عند تقاطع الشرق والغرب“، كريستيان بيرد، 2023،  كما ترجم مجموعة من الأعمال التي تتناول التاريخ العُماني من منظور غربي، ومن أهمها: عمان بناء الدولة العصرية، موسوعة يوميات المقيمية في الخليج والوكالة السياسية في مسقطموسوعة النفط والحدود في الخليج في 3 مجلدات.


وتتجلى عبقرية المنجز الترجمي للشيخ محمد بن عبدالله الحارثي في تلك الشمولية المعرفية التي صبغ بها اشتغالاته؛ فهو لا يقدم التاريخ كحدث جامد، بل يستنطقه من زوايا اقتصادية وسياسية واجتماعية هامة، كما يمتاز جهده بعمق أرشيفي استثنائي، تجسد في قدرته الفائقة على النبش في ثنايا الوثائق السرية واليوميات السياسية، محولاً إياها من نصوص حبيسة الرفوف إلى مادة معرفية حية ومتاحة للقارئ العربي. أما في هذا الكتاب تحديداً، فيتألق منهجه المقارن الذي يوازن ببراعة بين المصادر البرتغالية والعربية والفارسية؛ وهو ما منح العمل بُعداً أكاديمياً تجاوز به حدود "الأرشفة" ليصل إلى رحاب "التحليل المركب" الذي يربط الأسباب بالنتائج ويمنح الحادثة التاريخية سياقها المنطقي.  فنحن نجد أنفسنا أمام نص يمنح المادة الوثائقية معناها التاريخي الكامل، ويحتفي بلحظة استعادة السيادة العمانية لا كمعركة عابرة، بل كولادة جديدة لفضاء سياسي قادته قوى محلية قادرة على المبادرة البحرية وصناعة التاريخ.


كل التحية لهذا المنجز الذي يثبت أن المترجم حين يمتلك رؤية المؤرخ، يتحول إلى شريك في صناعة الوعي الوطني.