قراءة في كتاب شبهات المستشرقين المتعلقة بآيات الأحكام في القرآن الكريم للدكتور سيد أحمد الحناوي الأقصري

حجاج سلامة
قراءة في كتاب شبهات المستشرقين المتعلقة بآيات الأحكام في القرآن الكريم للدكتور سيد أحمد الحناوي الأقصري

في إصدار حديث يُعد إضافة نوعية للمكتبة العربية والإسلامية، صدر عن دار اللؤلؤة للنشر والتوزيع بالمنصورة – مصر كتاب "شبهات المستشرقين المتعلقة بآيات الأحكام في القرآن الكريم – دراسة وتحليل" للدكتور سيد أحمد محمود محمد أبو الحجاج، الشهير بالدكتور "سيد أحمد الحناوي الأقصري". 

يمتد العمل في مجلدين كاملين، ويُقدم ردًا علميًا رصينًا ومنهجيًا على الشبهات الموجهة للنص القرآني التشريعي، خاصة آيات الأحكام التي تنظم جوانب الحياة الفردية والاجتماعية. 

يبدأ الكتاب بمقدمة عميقة تؤكد عظمة القرآن الكريم وحفظ الله تعالى له، مستشهدًا بآيات محكمة مثل: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (هود:1)، و﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ (فصلت:40)، و﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (البقرة:2).

ويؤصل المؤلف لمفهوم 'الجهاد الفكري' أو 'المجاهدة بالقرآن' بوصفها أسمى أنواع الجهاد في عصرنا الراهن؛ مسترشدًا بقوله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ (الفرقان:52)، ومشددًا على أن المعترك الفكري هو ميدان المواجهة الحقيقي بين الإسلام وخصومه.

ويستعرض الدكتور الحناوي في الكتاب نشأة الاستشراق تاريخيًا كحركة لم تكن بريئة علميًا، بل بدأت نواتها في العصور الوسطى حين خشيت الكنيسة الغربية من تأثير الحضارة الإسلامية في الأندلس؛ فعمدت إلى إعداد رهبانٍ وقساوسةٍ لدراسة اللغة العربية والعلوم الإسلامية، لا لفهمها، بل لتشويه صورة الإسلام وصرف الشباب الأوروبي عنه، وعلى الرغم من ازدهار حركة الترجمة عن العربية، ونهلِ أوروبا من معينة كنوز الحضارة الإسلامية؛ إلا أنها أضمرت في الوقت ذاته حسدًا وحقدًا دفينًا، تجلّى في سلسلة من المواجهات المستمرة التي لم تتوقف عند حدود المعارك العسكرية -كالحروب الصليبية قديمًا والاستعمار حديثًا- بل امتدت لتشمل حملاتٍ فكريةً وتنصيريةً تبشيرية استهدفت العقيدة. 

ويوضح المؤلف أن أهداف الاستشراق تركزت على محاربة الإسلام فكريًا من خلال إلصاق النقائص المزعومة به، وتشويه آيات الأحكام، وزعم أن الإسلام مأخوذ من النصرانية واليهودية، بهدف زعزعة إيمان المسلمين، وحماية الغرب من "خطر" انتشاره، وتسهيل التنصير. 

ويبرز الكتاب أهمية الموضوع عبر محاور رئيسة، أهمها: ردُّ الشبهات كجهاد دفع شرعي وقرآني، وتنبيهُ المسلمين لخطر الغزو الفكري -لا سيما بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 التي استُغلت لوصم الإسلام بالقسوة والوحشية- إضافة إلى تعرية وكشف الوجه الحقيقي للاستشراق وللمستغربين من بني جلدتنا الذين يتبنون أطروحاته وأفكاره، وصولاً إلى إبراز وتوضيح صورة الإسلام النقية.

في التمهيد، يرسم الدكتور الحناوي خارطة "عداء الأمم للإسلام"، موضحًا أن الهجوم على آيات الأحكام جزء من استراتيجية أوسع تستهدف ثلاثة محاور رئيسية: الحرب على القرآن من خلال شبهات المصدر والتشكيك في التوحيد والبعث، والحرب على النبي صلى الله عليه وسلم بالسخرية والقدح في عرضه الشريف والإيذاء، والحرب على الصحابة الكرام معنويًا وماديًا لقطع الجسر التاريخي الذي نقل لنا الدين، مبيناً أن هذا التقسيم يُظهر بوضوح أن الطعن في التشريع القرآني يهدف إلى زعزعة أركان الإيمان كلها.

ويسعى المؤلف من خلال ردوده إلى مخاطبة المنصفين في الغرب، وتقوية الروح الإيمانية والاعتزاز بالهوية لدى المسلمين، وحماية الشريعة وآيات الأحكام من السموم والمفتريات، مستلهمًا قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر:9). 

ويذكر الدكتور الحناوي أسباب اختياره لهذا الموضوع، في كونه بابًا من أبواب الجهاد الفكري، وتنبيهًا للخطر الذي يحدق بالأمة، ودعوة للعودة إلى المواقف الإسلامية الصحيحة وإظهار عظمة الإسلام لتعزيز الاعتزاز به. 

ويتجه الكتاب بعد ذلك إلى تشريح ظاهرة الاستشراق في بابٍ مفصل؛ فيبدأ بتعريفها لغةً واصطلاحًا، ثم يتتبع جذورها التاريخية منذ طور التكوين -حين توجست الكنيسة خيفةً من سماحة الإسلام وعظمة حضارته في الأندلس، فندبت رهبانًا لتشويه صورته- وصولاً إلى أطوار التقدم والانتشار، وانتهاءً بالمرحلة المعاصرة.

 ويفصل المؤلف أهداف الاستشراق الحقيقية مؤكداً أنها تتجاوز الادعاء العلمي إلى أغراض تبشيرية واستعمارية، كما يحلل تداعياته السلبية على المجتمع الإسلامي دينيًا وسياسيًا واجتماعيًا. مع نقد مناهجه التي يراها مشوهة ومتحيزة والتي حصرها في: الانصياع للأهواء، والتفسير بالإسقاط، والتحريف العمدي، زإطلاق الأحكام المرسلة، والاختلاق المحض. 

وقبل الدخول في قلب الشبهات، يخصص المؤلف فصلًا قيمًا لعظمة الشريعة الإسلامية، فيحدد المفاهيم الأساسية كالشريعة والفقه والفرق بين التشريع السماوي والوضعي، ثم يبرز خصائصها العظيمة المتمثلة في ربانيتها مصدرًا وغاية، وشمولها لكل جوانب الحياة، وموافقتها للفطرة، ووسطيتها بين الروح والمادة، ورعايتها لمصالح العباد، وجمعها بين الثبات في الأصول والمرونة في الفروع، معتبرا أن هذه الخصائص تشكل أساسًا متينًا يُظهر تفوق التشريع الإلهي على القوانين الوضعية التي تعاني أزمات أخلاقية واجتماعية حادة في العالم الغربي. 

وفي جوهر الكتاب – الجزء الثاني – يواجه المؤلف الشبهات مباشرة حول آيات الأحكام،فيبدأ بتعريف الشبهة لغة واصطلاحًا ، مقسمًا إياها إلى أربعة محاور رئيسية، ففي المحور الأول (شبهات الأصول والمصادر)، يفند دعوى الاقتباس من اليهودية والنصرانية أو القانون الروماني أو العرف الجاهلي، موضحًا أن التشابه تصديق قرآني وهيمنة على الكتب المحرفة، لا اقتباس بشري، ويبرهن بمخالفات القرآن الصريحة للتوراة والإنجيل في العقيدة (كالتثليث والتجسيد والافتراءات على الله).

أما المحور الثاني (شبهات العبادات)، فيرد على ادعاءات الاقتباس في الصلاة والقبلة والزكاة والصوم والحج، مبينًا استقلاليتها وجذورها الحنيفية الإبراهيمية. 

وفي المحور الثالث (منظومة الأسرة والميراث)، يرد على قضية تعدد الزوجات وقوامة الرجل والطلاق والمهر وميراث المرأة، موضحًا مبدأ التبعة والمسؤولية المالية، كما يرد على الشبهات الخاصة بزيجات النبي ﷺ.

وفي المحور الرابع (السياسة الجنائية والحدود)، يواجه تهمة القسوة التي ألصقت بالإسلام، موضحًا فلسفة الحدود في حماية الضروريات الخمس، وندرة تطبيقها، وسقوطها بالشبهات، كما يبين أن حد الردة خيانة عظمى لا اعتقاد فحسب.

كما يتناول الكتاب أيضًا شبهات عامة كالتناقض أو النسخ والتدرج التشريعي الحكيم كتحريم الخمر، كما يرد على ادعاءات عدم صلاحية الشريعة للعصر الحديث حيث يوضح مدى مرونتها مع ثبات أصولها، مقارنًا إياها بالقوانين الوضعية التي أدت إلى تفكك أسري وأزمات أخلاقية.