عن الكتابة والاستضافة.. عتبات على أبواب كتابات لسعيد يقطين: أفق نقدي جديد في الأدب العربي

حجاج سلامة
عن الكتابة والاستضافة.. عتبات على أبواب كتابات لسعيد يقطين: أفق نقدي جديد في الأدب العربي

في كتابه "عن الكتابة والاستضافة: عتبات على أبواب كتابات"، يرسخ الباحث المغربي سعيد يقطين مكانته كأحد أبرز النقاد العرب المعاصرين، مقدّماً عملاً يجمع بين عمق الفكرة واتساع الرؤية، ويؤكد أن الكتابة ليست مجرد نصوص، بل فضاء حيّ للحوار وإثارة الأسئلة التفكيرية واستشراف المستقبل.

ويشكل هذا الكتاب النقدي الصادر عن "الآن ناشرون وموزعون" بالأردن (2026)، إضافة نوعية في مجال حقل الدراسات الأدبية والنقدية العربية المعاصرة، منطلقاً من فكرة مركزية تتمثل في النظر إلى "الكتابة" بوصفها فعلاً إنسانياً يتجاوز مجرد إنتاج النصوص، ليصبح شكلاً من أشكال التواصل الثقافي والحوار بين الكُتّاب والقراء، إلى جانب طرحه لمفهوم "الاستضافة" بوصفه علاقة رمزية وأخلاقية بين الكاتب وغيره من الكتّاب عليها أن تقوم على التقدير المتبادل والانفتاح الفكري، وهو ما يمنح العمل بعده الاجتماعي الجماعي ويجعله يتجاوز الفردانية، إذ يؤكد د.سعيد على أن الكتابة ليست نشاطاً معزولاً، بل هي شبكة من العلاقات الإنسانية والمعرفية، حيث تتقاطع التجارب وتتداخل الرؤى، ما يخلق فضاءً ثرياً بالحوار والتجارب الإبداعية.

وكما يوضح الباحث في مقدمته، فإن الكتاب يشتمل على مجموعة من "العتبات" أو المقدمات التي كتبها في أزمنة مختلفة، وقد قام بجمعها وتنظيمها ضمن أربعة أبواب رئيسية، هي: "عتبات على "دراسات"، و"إبداعات"، و"ثقافة شعبية"، و"رقميات"، تتوزع على نحو 280 صفحة، تغطي عدداً من المجالات الفكرية ومنها: الترجمة، والسرديات والسيميائيات، والنقد الروائي، والأدب والفكر.. يواصل فيها يقطين مشروعه النقدي في تفكيك بنية الكتابة العربية الحديثة، وطرح أسئلة عميقة حول علاقتها بالقارئ، وبالتحولات الثقافية والتقنية التي يشهدها العالم.

ويولي يقطين في كتابه اهتماماً كبيراً بتطور السرد العربي، مشيراً إلى بروز أجيال جديدة من الكتّاب الذين يسهمون في تجديد أشكال الكتابة، والانفتاح على أنواع سردية جديدة تتجاوز الشكل التقليدي للقصة والرواية، موضحاً أن هذا التنوع يعكس حيوية السرد العربي وقدرته على مواكبة التحولات المعاصرة، سواء من خلال التفاعل مع الواقع أو استلهام التاريخ، أو المزج بين الواقعي والخيالي لتقديم رؤى جديدة للإنسان العربي.

وبهذا فإن الكتاب ينفتح على النظريات النقدية العالمية، خاصة في مجال السرديات، حيث يناقش الناقد يقطين أعمالاً غربية ويعيد قراءتها من منظور عربي، مؤكداً أن هذه النظريات ليست "مقدسات"، بل هي أدوات يمكن تطويرها وتكييفها مع خصوصية النصوص العربية، مركزاً على أهمية الانفتاح على ما يُعرف بـ"السرديات غير الطبيعية" التي تتيح فهماً أعمق للأشكال السردية الجديدة، وتفتح المجال أمام الباحث العربي لتقديم رؤى مختلفة عن السائد في الدراسات الغربية.

ولعل من أبرز القضايا التي يتناولها الكتاب، مسألة الإبداع الرقمي، حيث يناقش التحولات التي فرضتها التكنولوجيا على الكتابة، وهنا يؤكد د.سعيد يقطين على ضرورة الدخول في نقاش عربي جاد حول هذه التحولات بدل الاكتفاء بالاستهلاك التقني، مشيراً إلى أن المستقبل الثقافي لا يمكن أن يُصنع دون مشاركة فاعلة من المثقفين العرب، وداعياً إلى الانتقال من مرحلة التلقي إلى مرحلة الإنتاج، والمساهمة في تشكيل ملامح الأدب الرقمي.

ويقدم الناقد يقطين عدداً من الرؤى النقدية العميقة التي تجمع بين التنظير والتطبيق، مثيرا عبر ذلك سلسلة من الأسئلة حول مستقبل الأدب العربي في ظل التحولات المتسارعة، وطارحاً أفكاره النقدية بأسلوب سهل قادر على تقريبها من القارئ، وجعلها أكثر وضوحاً وقابلية للتطبيق العملي، وهو في كل ذلك يعيد الاعتبار للكتابة بوصفها فعلاً ثقافياً مسؤولاً، يقوم أولاً على احترام القارئ وتعزيز الحوار بين مختلف الفاعلين في الحقول الأدبية والمعرفية والنقدية.