2026 .. نهاية اسطورة الفيلم المستقل

رزق رمضان
2026 .. نهاية اسطورة الفيلم المستقل

لم يعد هناك شيء اسمه فيلم مستقل في ٢٠٢٦.
ليس لأن الأفلام توقفت عن الإنتاج خارج الاستوديوهات، بل لأن فكرة الاستقلال نفسها ماتت بهدوء، دون جنازة، ودون أن يلاحظ أحد لحظة الوفاة.
ما نراه اليوم ليس سينما مستقلة، بل محاكاة للاستقلال
في بداياته، لم يكن الفيلم المستقل تصنيفًا إنتاجيًا، بل موقفًا وجوديًا ، أقرب لفعل المقاومة ، محاولة لصناعة صورة خارج السلطة: سلطة السوق، وسلطة الذوق السائد، وسلطة الصناعة ، الاستقلال لم يكمن في الميزانية الصغيرة، بل في الحرية حد الخطر ، احتمال الفشل الكامل دون شبكة أمان.


أما الآن، فالاستقلال أصبح هو نفسه نظامًا ، من الهامش إلى السوق ، الحداثة الرقمية لم تحرر السينما كما وعدت، بل قامت بعملية أكثر قسوة:جعلت الجميع قادرين على الإنتاج، لكنها في المقابل ألغت معنى الاختلاف ، حين أصبح بإمكان أي شخص صناعة فيلم، لم ينتصر الصوت الفردي ، بل انتصرت الخوارزمية ، المنصات لا تمنعك من التعبير، لكنها تعيد تشكيل تعبيرك قبل أن تدرك ذلك.
لنجد الفيلم المستقل اليوم يولد وهو يفكر في المهرجانات، في لجان الاختيار، في سوق التوزيع، في “الهوية البرمجية” التي تجعل الفيلم قابلًا للبرمجة.
لم يعد السؤال: ماذا أريد أن أقول؟
بل: كيف يبدو الفيلم المستقل الذي يمكن أن يُقبل؟
المفارقة أن السينما المستقلة لم تُقتل بواسطة هوليوود، بل بواسطة مؤسساتها البديلة ، المهرجانات التي وُجدت لحماية الأصوات المختلفة تحولت تدريجيًا إلى نظام إنتاج غير معلن ، أصبح هناك شكل بصري متوقع، إيقاع مألوف، موضوعات آمنة سياسيًا لكنها تبدو جريئة ظاهريًا.
الفيلم لم يعد مستقلًا عن السوق ، بل أصبح يعتمد على سوق مختلف له قواعده الخاصة ، النتيجة: أفلام تشبه بعضها، لكنها تدعي التفرد.
والأخطر ليس غياب الاستقلال، بل المزايدة عليه ، اليوم، كلمة “مستقل” تُستخدم كعلامة تجارية ، توضع على الملصقات، في بيانات المخرجين، وفي ملفات التقديم، كأنها ضمان أخلاقي للعمل ، لكن الاستقلال الحقيقي لا يمكن الإعلان عنه لأنه يظهر فقط عندما يخاطر الفيلم بأن يكون غير مرغوب فيه ،حين يصبح الاستقلال صفة مرغوبة، يتوقف عن كونه استقلالًا.
الحداثة السينمائية حلمت بتحرير الصورة من السلطة ،لكنها أنجبت عالمًا تُقاس فيه القيمة بالظهور، والمشاهدة، والتداول ، الصورة لم تعد تحتاج إلى رقيب ، لأنها تعلمت كيف تراقب نفسها ،فالفيلم المعاصر يعرف مسبقًا كيف يجب أن يبدو كي يعيش ، وهذه المعرفة هي نهاية المغامرة ..
ماذا تبقى إذن؟
ربما لم يمت الفيلم المستقل تمامًا، بل أصبح غير مرئي
الاستقلال الحقيقي اليوم لا يعيش داخل التصنيفات، ولا في الأسواق، ولا حتى في المهرجانات ، يعيش في أعمال قد لا تُعرض، أو تُساء قراءتها، أو تفشل في إيجاد جمهور ، أفلام لا تعرف إن كانت أفلامًا بالأساس.
الاستقلال لم يعد حركة جماعية، بل حالة فردية مؤقتة ، لحظة نادرة ينسى فيها صانع الفيلم كل ما تعلمه عن كيفية النجاة ، وفي عالم قائم على النجاة المستمرة، تبدو هذه اللحظة أقرب إلى الجنون ، ولهذا تحديدًا، ربما لم يعد هناك فيلم مستقل ، بل فقط أشخاص يحاولون، عبثًا، أن يكونوا أحرارًا داخل صورة لم تعد تسمح بالحرية.