في الطريق الى بيت ولادة حكاية رومانسية أم سيرة حضارة ألهمت أوروبا.؟

حجاج سلامة
 في الطريق الى بيت ولادة حكاية رومانسية أم سيرة حضارة ألهمت أوروبا.؟


بعد إنقطاع عن النشر، وغياب عن المشهد الثقافي لفترة من الزمن كسر الكاتب والمفكر، والشاعر السوري الدكتور محيي الدين اللاذقاني عزلته الأدبية ليعود لقرائه بكتابه الجديد "في الطريق إلى بيت ولادة"، الذي جاء في ٢٢٣ صفحة من القطع المتوسط، وصدر حديثاً عن دار العين بالقاهرة. 





يتناول "اللاذقاني" في كتابه الجديد سيرة الشاعرة العاشقة ولادة بنت آخر خلفاء الدولة الأموية الثانية في الأندلس تحتار في تصنيف الكتاب هل هو شعر، أم رواية، أم تاريخ، أم بحث شيق في صراع الحضارات، وتلاقحها. أم هو ملحمة للحب بكل أنواعه من حب النساء الى حب الأرض، الى حب السلطة، والغرام بغرائب الكون، والطبيعة.

 وبإسلوب يرقى إلى الشعر أشتهر به الدكتور اللاذقاني منذ أطلق عموده اليومي الشهير "طواحين الكلام" في كبريات الصحف العربية يبحر القارئ مع ولادة القرطبية وحفيدتها الغرناطية ، ومعاصرتها إعتماد الرميكية زوجة المعتمد ابن عباد دون نسيان صبح الجارية البشكنسية زوجة الخليفة الحكم  التي وضعت المسمار الأخير في نعش الدولة التي أسسها عبد الرحمن الداخل / صقر قريش الذي هرب من قرية دير حنا القريبة من دمشق عندما حاصره العباسيون إلى عند أخواله الأمازيغ/ البربر قبل أن يتسلل الى الأندلس ليستولي على قرطبة، وينشئ دولة استمرت حوالي مئتين وخمسين عاما ، وكانت ثقافتها ، وعلومها وترجماتها، وفنونها هي الأساس الذي نهضت عليه الحضارة الأوربية، ونتيجة لذلك المسار المعقد يحرص المؤلف على القول أن للأندلس أبوين سوري ، ومغربي ، وعربي ، وأمازيغي .

ومن خلا اللغة الإسبانية التي ما تزال تحتفظ بمفردات الريحان، والياسمين والزيتون يعود الكاتب الي التاريخ ليشرح كيف كانت أم الأصبغ المروانية ترسل غراس الريحان والياسمين والرمان الى شقيقها في المغرب ثم إسبانيا كي لا يقتله الحنين الى دمشق .

وفي الوقت الذي جعل بعض الروائيين، والكتاب الإسبان من البحث عن المخطوطات العربية حبكة لروايات عديدة كما فعل انطونيو غالا، وأراغون اختار الد كتور اللاذقاني  البحث عن بيت ولادة في قرطبة حبكة ليقوم من خلال ذلك البحث عن البيت الافتراضي بإعادة كتابة الجانب الرومانسي، والعلمي والحضاري من ذلك التاريخ خصوصا ، وأن أشهر كتب العشق العربي "طوق الحمامة في الألفة والالاف" لأبن حزم معاصر ولادة، والمد افع الشرس عن البيت الأموي أهمل ذكر ولادة وحكايات عشقها مما أثار استغراب المؤلف، ودفعه للتنقيب في وثائق تلك المرحلة.

ولعل الكلمة التي وضعها الناشر على الخلاف الأخير للكتاب تفسر ولادة تلك الفكرة المبتكرة التي خرج بها اللاذقاني، وطورها ليقدم كتابا مختلفا يعود به للقارئ العربي بعد غياب، أما الأهم فليس البحث عن بيت ولادة والعثور عليه وتحديد مكانه ، ولكن الفصل الأخير من الكتاب الذي سماه المؤلف "فانتازيا التاريخ" وفيه حفر عميقا، و نكت الروايتين الشرقية، والغربية عن الحقبة الأندلسية بأسلوب موثق، سلس، ودقيق.

وعودة الى كلمة الغلاف الأخير يقول الناشر في تلك النبذة القصيرة عن الكتاب: "حين امتدَّ المنفَى، واستطال، وعضَّه الحنينُ إلى دمشق حاول محيي الدين اللاذقاني أن يجاور اليَاسَمِين، والرُّمَّان، وعبق التاريخ والتراث في قرطبة، وما إن حطَّ رحاله فيها حتى داهمته فكرةٌ مجنونة، وقرر أن يبحث عن بيت ولَّادة بنت المستكفي أشهر العاشقات، والشاعرات العربيات في تلك المدينة التي ما تزال تحتفظ برونقها الدمشقي، وأُمَويَّتها، ومع مرور الذكرى الألفيَّة لأشهر كتب الحب "طَوْق الحمامة في الأُلْفة والأُلَّاف "تطورت الفكرة مستندةً إلى رموز الماضي، ونصوصه، ووثائقه، وكشوفات العصر الرقمي لتَهْدِي الباحث عن الحب إلى حيث يبدأ اللغز من تمثال ابن حزم الذي عاصَر ولَّادة، ولم يذكرها في كتابه، ومع تشابك السيرتين تقاطعت الطُّرُق، والسِّيَر مع شخصيات ابن زيدون وابن عربي، والمعتمد بن عبَّاد لتحمل الكاتب إلى مرسيَّة، والمَرِيَّة، وغرناطة، وطُليطلة، وأشبيليَّة، ثم تُعيده إلى قرطبة ليبدأ من بيت ولَّادة الافتراضي كتابةَ سيرةٍ جديدة لملحمة العشق العربيّ في العصر الحديث".

وقد قدم الكاتب لكتابه بمقدمة سماها قصة حب قصيرة سبقها بمقولة لابن القيم تلميذ ابن تيمية من كتاب – روضة المحبين، ونزهة المشتاقين - جاء فيها " العالم العلوي، والسفلي إنما وجد بالمحبة، ولأجلها، وأن حركات الأفلاك، والشمس، والقمر، والنجوم، وحركات الملائكة، والحيوانات، وحركة كل متحرك انما وجدت بسبب الحب... فجميع حركات العالم العلوي، والسفلي تابعة للإرادة، والمحبة"

وفي افتتاحية الكتاب التي جاءت كما أسلفنا بعنوان "قصة حب قصيرة " يقول الدكتور محيي الدين اللاذقاني: " ذات لحظة شغف، وحنين في قرطبة قررت أن أبحث عن بيت ولادة بنت المستكفي، كان المنفى قد استطال، ورجل الشعر، والفكر كما قال ابن مدينتها القرطبي موسى بن عزرا يحتاج لمسقط رأسه، وكان ذاك زمن كلما أبتعدت عنه دمشق اقتربت منه قرطبة، وأخواتها .دخل العصر الرقمي، والفكرة المجنونة تراودني عن نفسها، وحين تهجم فكرة من هذا النوع النادر يصعُب على جيش عرمرم من الأعذار، والحيل أن يصدها ، فما بالك حين تعاود الهجوم في الذكرى الألفية لولادة كتاب "طوق الحمامة" أشهر كتب الحب في التراث الإنساني لمواطنها، ومعاصرها الفقيه ابن حزم.

أما حين وجدت بعض النصوص الأدبية، والتاريخية التي تشير الى موقع بيت ولادة الافتراضي، وبيت علامة عصره ابن حزم، فقد كان أوان التراجع عن الجنون قد فات، فمن ذا الذي يمكن أن يتأخر عن كتابة تاريخ جديد للعشق العربي إنطلاقا من إرث أرق، وأعمق كاتب عرفته العربية، ومن عرين أنثى جريئة تحولت ذات حلم أندلسي / أموي إلى رمز للأنوثة الكونية".

يُذكر أن الدكتور محيي الدين اللاذقاني، هو كاتب وشاعر سوري، حاصل على درجة الدكتوراة من جامعة الإسكندرية، وعمل لعقود في الصحافة العربية المهاجرة، وقد عرفه القراء العرب من خلال عموده اليومي "طواحين الكلام" الذي تنقل به في عدد من الصحف العربية الصادرة في لندن.

وللاذقاني الكثير من المؤلفات المسرحية والفكرية، بجانب الدواوين الشعرية، ونذكر من مؤلفاته: "عزف منفرد على الجرح"، و"انتحار أيوب"، و"من كان حزينا فليتبعني"، و"الصورة والخيال في الشعر العربي المعاصر، و"مشاغبات ثقافية معاصرة"، و "الأنثى مصباح الكون، أوديسة النساء بين الحرية والحرملك"، و" نورس بلا بوصلة"، وغيرها من المؤلفات.