من الأعياد المسيحية إلى السياسات العامة: ثقافة ومسارات التعايش في العالم العربي

حجاج سلامة
من الأعياد المسيحية إلى السياسات العامة: ثقافة ومسارات التعايش في العالم العربي


الأعياد المسيحية مناسبة تؤكد على سيادة ثقافة التسامح عربياً

الأعياد مناسبة تؤكد على سيادة ثقافة التسامح في العالم العربي


 في هذه الأيام، ومع قرب احتفالات  عيد القيامة المجيد، تتجدد واحدة من أعمق صور التعايش في مصر، حيث لا تقتصر المناسبة على بُعدها الديني داخل الكنائس، بل تمتد لتصبح حالة مجتمعية تعكس روحًا خاصة من المشاركة والاحترام المتبادل، فالكلمة التي تتردد في الصلوات "أوصنا" بما تحمله من معاني الترحيب والسلام، تتحول في السياق المصري إلى رمز حي لوحدة النسيج الوطني، حيث تتداخل المشاعر وتتشابك التفاصيل اليومية بين المسلمين والمسيحيين، في صورة تعكس تاريخًا طويلًا من العيش المشترك.

ولا تنفصل هذه اللحظة عن المعنى الأعمق لرسالة السيد المسيح، التي قامت على المحبة والتسامح والسلام، وهي القيم التي شكلت عبر العصور جوهر الخطاب الديني والإنساني. فذكرى دخوله إلى القدس، وما تلاها من أحداث تُختتم بقيامة تحمل رمز الانتصار للحياة، تمنح هذه المناسبة بعدًا إنسانيًا يتجاوز حدود العقيدة، ليؤكد أن السلام يظل الرسالة الأسمى التي تجمع البشر على اختلافهم، وفي هذا السياق، تتجلى إحدى أعمق المعاني الروحية في الإنجيل: "طُوبَى لِصَانِعِي السَّلاَمِ، لأَنَّهُمْ أَبْنَاءُ اللهِ يُدْعَوْنَ" (إنجيل متى 5: 9)، في دلالة واضحة على أن صناعة السلام ليست مجرد قيمة أخلاقية، بل رسالة إنسانية سامية.

في مصر، لا يُختزل التعايش في المناسبات، بل يتجذر في بنية المجتمع ذاته، حيث تتحول الأعياد والمواسم الدينية إلى لحظات كاشفة لقيم أعمق من مجرد التسامح، قيم ترتبط بالانتماء والهوية الوطنية الجامعة.

يقول الدكتور محمد عنب أستاذ الاثار والعمارة اﻹسلامية بكلية الاثار جامعة الفيوم أن هذا المعني للتعايش والتسامح يبرز  بوضوح في نماذج عمرانية وتاريخية عريقة، يأتي في مقدمتها مجمع الأديان في منطقة مصر القديمة، الذي يجمع في مساحة جغرافية واحدة بين كنائس ومسجد ومعبد يهودي، حيث تضم المنطقة الكنيسة المعلقة ذات الطابع المسيحي العريق، وكنيس بن عزرا، أو ما يعرف بالمعبد اليهودي بمصر، الذي يُعد من أبرز المعابد اليهودية، إلى جانب مسجد عمرو بن العاص، أول مسجد أقيم في مصر وأفريقيا، هذا التجاور لفريد يعكس امتدادًا تاريخيًا لفكرة العيش المشترك بين أتباع الديانات المختلفة في فضاء واحد، بما يحمله من دلالات حضارية على التعدد والتسامح.

ومن هنا، تبدو هذه الاحتفالات وكأنها تجديد سنوي لعقد اجتماعي غير مكتوب، يؤكد أن التنوع الديني ليس مصدر انقسام، بل أحد عناصر القوة الناعمة للدولة المصرية.

ومن هذا النموذج المجتمعي، يمكن الانطلاق إلى نماذج عربية أخرى، حيث تتخذ فكرة التعايش أشكالًا متعددة وفق خصوصية كل مجتمع، ففي كركوك، يبرز التعايش في صورته الثقافية، من خلال فعاليات مثل موسم مسرح "المونودراما المتميزة"، الذي يعكس عبر عروضه متعددة اللغات واقع المدينة المتنوع، فاختيار تقديم أعمال بالعربية والتركمانية والكردية لا يمثل مجرد تنوع فني، بل يعكس إرادة واعية لتحويل الاختلاف إلى مساحة للحوار، حيث يصبح المسرح أداة لفهم الآخر وإعادة اكتشافه..

ويضيف عنب أن لبنان تبرز  كنموذج اجتماعي آخر للتعايش اليومي، حيث تتجاور الكنائس والمساجد في أحياء ومدن متعددة، مثل الحمرا والزيتونة في بيروت، وكذلك في مدن كصيدا وطرابلس، بما يعكس واقعًا سكنيًا وثقافيًا تتداخل فيه الأديان ضمن النسيج العمراني ذاته، ولا يقتصر هذا التعايش على البعد المكاني فقط، بل يمتد إلى الحياة اليومية، حيث يشارك المسلمون والمسيحيون في مناسبات اجتماعية مشتركة، ما يعزز من ترابط المجتمع ويجعل الاختلاف الديني عنصرًا من عناصر التنوع لا الانقسام.

وتتسع الدائرة لتشمل البعد المؤسسي، كما في دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تقدم نموذجًا واضحًا لإدارة التنوع من خلال السياسات العامة، وقد تجدد التأكيد على هذا النهج في خطابها الرسمي، إذ أكدت وزارة الخارجية في بيان حديث أن الدولة تحتضن جاليات من مختلف الجنسيات، من بينها الجالية الإيرانية التي تحظى بالاحترام والتقدير، وتشكل جزءًا من النسيج المجتمعي، كما شددت على أن ما تم تداوله من مزاعم بشأن أوضاع الإقامة لا يعكس الواقع، مؤكدة أن نهج الدولة يقوم على سيادة القانون بما يضمن حماية حقوق جميع المقيمين دون تمييز، ويعكس هذا الخطاب كيف تتحول قيم التعايش إلى سياسات عملية ورسائل دبلوماسية تعزز الاستقرار والانفتاح.

وفي المغرب، يتجلى التعايش في بعده التاريخي والثقافي، من خلال الحفاظ على مكونات الهوية المتعددة، بما في ذلك التراث اليهودي المغربي، الذي يتم صونه باعتباره جزءًا أصيلًا من الذاكرة الوطنية، في تعبير واضح عن فهم للتاريخ بوصفه عامل توحيد لا مصدر انقسام.

أما في الأردن، فيبرز التعايش في صورة استقرار مجتمعي قائم على الاعتدال، حيث تدعم المؤسسات الرسمية والدينية خطابًا متوازنًا يعزز الحوار بين الأديان، ويكرس ثقافة قبول الآخر، بما يسهم في بناء مجتمع متماسك في مواجهة التحديات الإقليمية.

تكشف هذه النماذج، على اختلاف سياقاتها، أن التعايش في العالم العربي لم يعد مفهومًا واحدًا جامدًا، بل تجربة متعددة المستويات؛ تبدأ من المجتمع كما في مصر، وتتجلى في الثقافة كما في كركوك، وتترسخ عبر السياسات كما في الإمارات، وتمتد عبر التاريخ كما في المغرب، وتُصان عبر الاعتدال كما في الأردن.

وفي ظل ما يشهده العالم من توترات متزايدة، تبدو هذه التجارب العربية بمثابة نماذج عملية تؤكد أن إدارة التنوع يمكن أن تتحول إلى ركيزة للاستقرار والتنمية، فحين يتحول الاختلاف إلى مساحة للتكامل، يصبح التعايش ليس فقط ضرورة أخلاقية، بل خيارًا استراتيجيًا لصياغة مستقبل أكثر توازنًا وإنسانية، قوامه السلام الذي بشّرت به الرسالات السماوية، وظل هدفًا مشتركًا للبشرية جمعاء.

حين تتحول القيم التي دعت إليها الرسالات السماوية إلى سلوك يومي بين الناس، يصبح "التعايش واقعًا لا شعارًا، ويغدو الاختلاف تنوعًا يثري الحياة لا سببًا للانقسام، لتظل المحبة والسلام هما اللغة المشتركة التي تجمع القلوب قبل المجتمعات".