رحيق الكتب لسعود الحارثي.. وتعزيز صمود الكتاب الورقي

مسقط - حمود بن سالم السيابي
رحيق الكتب لسعود الحارثي.. وتعزيز صمود الكتاب الورقي


‏ 

‏أن تتوزع جيناتك بين "القابل" و"المضيرب" و"الغلَّاجي" فلا بد من أن يكون نصف العمر قد جالسَ الكِتَاب ونصفه الآخر ركض أشواطا بامتداد الجهات الأربع لملاحقة الكِتَاب. 

‏وأن تكون من أرومة حصون وعمائم فلا بد من أن تكون سبلة البيت هي المكتبة، ومن أرففها تشرق الشمس وتتضاحك السواقي. ولابد أن يكون الكتاب سيد الحديث وصاحب الصدارة في كل جلسة. 

‏وإذا كان الإنسان ابن بيئته فإن الشيخ سعود بن علي الحارثي هو ابن ثلاثية "القابل والمضيرب والغلاجي" وهي بيئة تهادتْ النفائس وتشاركتْ العناوين التي ترصِّع أجمل الأغلفة. 

‏ولا غرابة من أن يعتصر الشيخ سعود الحارثي ثلاثة وستين كتابا كعينة صغيرة جدا جدا لأناقة قراءاته فيتشارك رحيقها مع الأحباب، وهو الذي ولد في غرف ذات روازن مكتنزة بالنفائس، ومن التطواف بعناوينها عرف الألوان وتهجَّى ألف باء القراءة. 

‏و"رحيق الكتب" للشيخ سعود بن علي الحارثي الذي تلقَّفه العطاشى في عمان وخارجها بالكثير من الاستحسان يمثِّل عينة لرف صغير في مكتبته، ليبقى الرحيق الأغزر لسعود الحارثي في أحاديثه واستشهاداته ومروياته وخلاصة الضرب في الأرض، من أول نقطة تشرق عليها الشمس لآخر موجة تغطس خلفها. 

‏وإلى جانب أناقة اختيار العناوين في "رحيق الكتب" ورشاقة اليراع الذي سال مدادا وياسمين، فإن أهمية احتفاء الأقلام بكتاب "رحيق الكتب" تكمن في مشاطرتها للكاتب تحديه للهجمة الإلكترونية الشرسة للكتاب الورقي ولتعزيز صموده الأسطوري، ليبقى للورق عبقه وللحبر ربيعه ولصرير القلم صرخته. 

‏وعلى حداثة معرفتي بالشيخ سعود بن علي الحارثي إذ يسجل السابع والعشرون من فبراير من عام ٢٠١٩م فاتحة التواصل. 

‏إلا أن انفتاحي على بيئته الباذخة ومنبته الكريم أسبق بكثير، فمذ وعيت على الدنيا عرفت "القابل الراسي بها الشأن". 

‏ومع ذلك فإن السنوات الست الأخيرة صاغت عمرا موصولا بالمكان، وأعادتني لتاريخ وعيي بالمكان وبسادات المكان. 

‏ولدار لبان الفضل الكبير في تجسير المعرفة، فكانت الدار الخيمة الكبيرة والواحة الضليلة بلقاءاتها وبإصداراتها. 

‏والشيخ سعود بن علي الحارثي كما في "رحيق الكتب" يبقى موسوعة حاضرة ومكتبة متنقلة. 

‏وفي آخر لقاء جمعني بالشيخ سعود الحارثي وبحضور شيخنا الأديب الكبير محمد بن سيف الرحبي وأستاذنا الأديب الكبير الدكتور سعيد السيابي كان اللقاء تطوافا في سيرة الشيخ سعود الحارثي ومسيرته، وكان الحديث فصولاً خارجة على نص "رحيق الكتب". 

‏وكان الحديث فصولا خارجة على نص "رحيق 

‏يومها تحدثنا عن البرتغال حيث "البوكيرك" ورجاله يعودون لشبه الجزيرة الأيبيرية وهم يرسفون بذل الهزيمة. 

‏وسافرنا مع حكاياته إلى "رأس الرجاء الصالح" حيث جلس الشيخ سعود الحارثي فوق آخر صخرة جنوب القارة الأفريقية ليفتش عن "فاسكو دي جاما" قبل أن يلتقي بأسد البحار الجغرافي العماني الأشهر أحمد بن ماجد فيدخله التاريخ عبر الطريق إلى الهند. كما أعادتنا عوالم ترحاله إلى الزمن الأندلسي لندخل معه في مسجد قرطبة، ونعيش في أسفاره صخب القطارات القديمة وهي تجترح السكك الضيقة في الأقاصي الفقيرة لآسيا. 

‏والشيخ سعود الحارثي في كتبه ومقالاته وأحاديثه "رحيق كتب" اعتصرها، وخلاصة رؤى أضافت الكثير لرحيق قراءاته. ولن أضيف إلى ما كتب عن "رحيق الكتب" فكل الكتابات شهادات كتاب واستحقاقات كاتب وكلها تمثلني. 

.