العبور من الانكسار إلى إعادة التشكّل في 'البوابة صفر السعودية فاطمة عبدالله الدوسري تعيد مساءلة العرف الاجتماعي في روايتها

حجاج سلامة
العبور من الانكسار إلى إعادة التشكّل في 'البوابة صفر  السعودية فاطمة عبدالله الدوسري تعيد مساءلة العرف الاجتماعي في روايتها



لندن – صدر حديثاً عن  منشورات رامينا في لندن رواية «البوابة صفر» للروائية فاطمة عبد الله الدوسري «بنت الريف»، التي تنشغل بتحوّلات المرأة في سياق اجتماعي متبدّل، وتضع القارئ أمام سؤال البداية الجديدة حين تتصدّع المسارات المألوفة. وترسم مساراً يتدرج من فضاء القرية إلى فضاء المدينة، ومن احتفال عائليّ إلى اختبار وجوديّ عميق.

تُقدَّم الرواية بصفتها نصاً ينشغل بفكرة العبور والتحوّل الوجودي، وتستثمر رمز «الصفر» مدخلاً سردياً وفلسفياً لإعادة ترتيب العلاقة بين الذات والعالم. وكما يتبدّى في عتبات العمل، فإن «البوابة صفر» عتبة دلالية تشير إلى نقطة البدء من العدم، أو من لحظة الانكسار التي تسبق إعادة التشكّل.

تقدّم «بنت الريف» في هذه الرواية تجربة سردية تُعنى بالتحولات الاجتماعية والنفسية للمرأة في بيئة محلّية معاصرة، وتشتغل على التفاصيل الإنسانية الدقيقة، وتولي عناية خاصة ببناء الشخصية من الداخل، مع اهتمام بالبعد الاجتماعي والعاطفي للشخصيات.

يشي مسار الرواية منذ فصولها الأولى بانشغال الكاتبة بالبنى العائلية التقليدية، وبالسلطة الرمزية للأعراف، وبالتوتر الناجم عن تصادم الإرادة الفردية مع سلطة الجماعة، حيث ترسم الدوسري مشهداً احتفالياً في قرية «مدهشة»، سرعان ما ينقلب إلى أزمة حادة حين يتصدّع التوافق بين عائلتين عشية زفاف، لتتحول ليلة الفرح إلى لحظة انكشاف اجتماعيّ حادّ. هذا التصدّع يغدو مفصلاً سردياً يدفع بالشخصيات إلى قرارات مصيرية تعيد تشكيل مسارات حياتها.

تنتقل الرواية لاحقاً إلى فضاء حضري معاصر عبر شخصية «دانة»، التي تعبر إلى عالم العمل في مركز تجاري ضخم يحمل اسم «دريم لاند»، وتختار دخوله عبر «البوابة صفر». هذا التفصيل، الذي قد يبدو عارضاً في المستوى الواقعي، يتحول إلى محور رمزي مركزيّ: الصفر باعتباره نقطة انطلاق جديدة، خالية من الزينة والادعاء، ومشحونة بإمكانات التحوّل.

تتقصّى الكاتبة تحولات بطلتها النفسية بعد تجارب شخصية قاسية، وتضعها في تماسّ مباشر مع عالم العمل المختلط، ومع شبكة علاقات معقدة من الزملاء والزبائن، حيث تتقاطع الحكايات الفردية: أم راكان، هيام، مشعل، مدير المركز، وغيرهم. هنا يتراجع الحدث الصاخب لصالح تحليل أدقّ للحالات النفسية، وللأسئلة التي تلاحق البطلة: الهوية، الاستقلال، الأمومة، العمل، الندم، والرغبة في إعادة كتابة المصير.

كما تعالج الرواية بنية العرف الاجتماعي من الداخل: سلطة الأب، هيمنة التقاليد في قرارات الزواج، نظرة المجتمع إلى المرأة المطلّقة، علاقة الأم بأبنائها في ظلّ الانفصال، وسؤال الاستقلال الاقتصاديّ. من خلال هذه الثيمات، تترك «البوابة صفر» الشخصيات تتحرك داخل تناقضاتها، لتكشف هشاشة اليقين الاجتماعي حين يُختبر في لحظة أزمة بعيداً عن لغة الخطاب والوعظ.

من الناحية الفنية، يتوزع النص على فصول قصيرة نسبياً، تحمل عناوين مكثفة مثل: «ليلة فرح»، «دوّامة كبيرة»، «بوابات الحلم»، «غموض»، «حلم مات»، «عبور» وغيرها.. هذا التقسيم يمنح السرد إيقاعاً متدرجاً، ويتيح الانتقال بين المشاهد الريفية والحضرية، وبين الماضي والحاضر، دون انقطاع حادّ.

تعتمد الكاتبة على الحوار المكثف في المشاهد الاجتماعية، وعلى السرد التأملي في المقاطع النفسية. كما يظهر اهتمامها بتفاصيل المكان: المجلس الريفيّ، ساحة السامري، شقة العريس، المركز التجاري، المصلى، مكتب «خدمة العملاء»؛ وكلها فضاءات تتحوّل إلى مرايا تعكس تحولات الشخصيات.

تقترح «البوابة صفر» قراءة للحياة باعتبارها سلسلة عتبات، تتطلّب شجاعة العبور في كلّ مرة. الصفر في الرواية يغدو مساحة لإعادة التعريف: مَن أنا بعد الانكسار؟ كيف أستعيد قراري؟ وهل يمكن البدء من نقطة محايدة بعد كل ما حدث؟

تعيد الرواية مساءلة العلاقة بين الفرد والعائلة، بين المرأة والسلطة الرمزية للتقاليد، بين الحلم الشخصي وضغط الجماعة. وتؤكد فاطمة عبد الله الدوسري عبر هذا العمل حضورها في مشهد الرواية الاجتماعية النفسية، مقدّمة نصاً يوازن بين الحسّ الحكائيّ والاشتغال التأمّليّ، ويجعل من «البوابة صفر» علامة على لحظة إعادة تشكيل الذات في مواجهة العالم.

يشار إلى أنّ لوحة الغلاف هي للفنان التشكيلي السوري إسماعيل الرفاعي. والرواية جاءت في ١٧٢ صفحة من القطع الوسط. 

يُذكر أن فاطمة عبدالله الدوسري، المعروفة بـ«بنت الريف»، قاصة وروائية سعودية، حاصلة على بكالوريوس رياض أطفال. رئيسة سفراء جمعية الأدب بالرياض. عملت في الإدارة المدرسية في وزارة التعليم، ثم أخصائية تقويم أداء مدرسي، ومشرفة ضبط جودة في هيئة تقويم التعليم والتدريب. تقاعدت مبكراً وتفرغت لشغفها الأدبيّ من عام 1435هجري.صدر لها: «همسات ريفية»، «بيت بلا جدران»، «خذ السر ّ مني»، «فقاعات ملوّنة»، «حيموت».