جواهر: من هشاشة البدايات إلى صلابة المصير. قراءة في رواية “ابنة ليليت”

كريستيان بلان
جواهر: من هشاشة البدايات إلى صلابة المصير.  قراءة في رواية “ابنة ليليت”

جواهر: من هشاشة البدايات إلى صلابة المصير.

قراءة في رواية “ابنة ليليت”

كريستيان بلان


لم تكفّ رواية ابنة ليليت عن مفاجأتي طوال قراءتها. حتى في توقّفي عنها ثلاثة أسابيع، بسبب ضغط العمل، ظلّت تُلحّ عليّ في ذهني ألّا أُنهيها. كانت الأحداث تتوالى في رأسي؛ من البدايات إلى ما مرّت به البطلة في حياتها، وعلاقتها بأولئك الذين كانوا جزءًا من مسارها بطريقة أو بأخرى. أقول “جزءًا”، لأنهم أدّوا أدوارًا مؤثرة في تشكّل قراراتها وآليات مواجهتها لما أصابها، بسبب وجودهم في ذلك المسلك الذي ندعوه الحياة.

“أمّي تم استقدمها رسميًّا استنادًا إلى كفالته بصفته زوجًا…”

“اقترح أخي الأكبر أن ألتحق بكلية التربية للبنات في الدمّام لأتخرّج معلّمة…”

“… يريد أن نخرج من البيت ليأخذ نصيبنا من الميراث…”

“… فالموت يقتل المستقبل وينهيه، أمّا الخيانة وعدم الثقة فيقتل الحاضر والمستقبل.”

حتمًا سأقول: أولئك الذين شكّلوا جزءًا من حياتها، وكان يُفترض أن يكونوا صخرة تتكئ عليها، أو بئرًا تحتويها في حزنها، لا أطرافًا يتناوبون على إحباطها وتصغيرها. وعلى الرغم من صمتها — مرغمة وتحت التهديد — عن أذيّة تعرّضت لها، وغدرٍ ممّن وثقت بهم، اتخذت من ذلك الغدر قوّة دفعتها إلى الأمام، وراهنت على ذاتها. فولّدت في داخلها قدرة على المضيّ قدمًا، والإصرار على إثبات ما تستطيع إنجازه حين تمسك بزمام الأمور. فاليد حديد، واليد عطوف، في آنٍ واحد.

في بداية القراءة، سألت نفسي: لماذا عنون الروائي أحمد السماري روايته بـ ابنة ليليت؟ وللأمانة، أربكني العنوان، فعدت أبحث عن الأسطورة الكامنة خلفه. زادتني الحيرة؛ إذ بدا لي في البدء أننا أمام سردٍ لأحداث اجتماعية مألوفة في مجتمعات متعددة. أسلوب الروائي واضح في عرضها ونقلها بواقعية هادئة. عائلة يكبر أبناؤها، يعقبها زواج ثانٍ، تأتي منه ابنة — أمر ليس بمستبعد في بلداننا، مهما اختلفت الدوافع ووجهات النظر. وربما لو كان المولود ذكرًا لاختلفت الحسابات؛ لكن المشيئة جاءت بأنثى.

شاءت الأقدار، وعلى الرغم من الظلم الذي وقع عليها من أقرب الناس إليها، من تهميشٍ واستبعاد، أن تُستغل كذلك غربة الأم عن الوطن. ومن اللافت، حين يتعلّق الأمر بالميراث ومصالح العائلة، كيف تتبدّل الأولويات؛ فلا يعود مركز الأب ولا اسم العائلة في المقدمة. لو ارتكبت ما يُعدّ “عارًا”، لكان اسم العائلة ذريعة العقاب، لكن حين حضر المال، تراجع كل شيء. إخلاء الساحة منها ومن أمها، بالتلطّف أو التهديد، بدا الخيار الأسهل لمنع “تفريطٍ” في التركة، لأنها ابنة زوجة ثانية لا ترقى — في نظرهم — إلى معيار الهوية والمكانة.

وكم تفرض الظروف على الإنسان ما يظنه قرارًا ذاتيًا، بينما هو في الحقيقة أمر لا بدّ منه. وبالنظر إلى ما حدث من زاوية أخرى، ربما لعب القدر دورًا في وصول جواهر إلى ما بلغته من شهرة وإنجازات علمية وطبية. فلو بقيت في كنفهم، لربما اختلفت المعاملة، أو حتى نظرتهم لما تمثّله. ربّ ضارّة نافعة.

جورجيت — كما اعتمدت اسمها بعد نيل الجنسية الأمريكية — لا تختلف كثيرًا عن كثيرٍ من بناتنا في مجتمعاتنا العربية. كل عائلة قد تضمّ من يأكل حق أخته طمعًا، أو اعتقادًا بأنه أحقّ، لأن الابنة “ستتزوّج بغريب”. ما حدث لها كان حافزًا للتحليق خارج سرب العادات، وفكّ قيود علاقاتٍ كثيرًا ما تعيق تطور الفرد. حتى إحساس الأخ بالذنب — أو رغبته في الإقصاء — حين أمّن لها سكنًا يسهل دراستها الجامعية، كان، paradoxically، الدرجة الأولى في سلّم تحررها.

شخصية ابنة ليليت تستحق وصف البطولة؛ إذ تمكّنت من تدوير الغضب وتحويله إلى طاقة دافعة. لم تتجاوز الإساءة بقدر ما وضعتها جانبًا، رافضة أن تكون عائقًا أمام هدفٍ واضح. من مطالبتها بحقها وحق أمها، إلى تخرّجها، ثم انتقالها إلى الولايات المتحدة، حيث لم تخلُ أيامها من تحديات مهنية واجتماعية وشخصية، وصولًا إلى عودتها ونيلها جائزة تقديرًا لأبحاثها.

وفي لحظةٍ تنأى فيها بذاتها عن الجميع وتدمن العمل، تتعرض لفعلٍ شنيع يبعثر كيانها. غير أن الرواية تفتح هنا بابًا أوسع للتأمل؛ فالنزعة الذكورية ليست حكرًا على مجتمع دون آخر، وسيطرة الغريزة وتغييب الإرادة معضلة إنسانية تتطلب وعيًا تربويًا عميقًا.

وكما تضع الحياة أشخاصًا في دروب أشخاص، كان للأصدقاء دور العزاء والسند. لم تكن البطلة بحاجة إلى المال بقدر حاجتها إلى التواصل الإنساني الخالص. أما الزواج وفكرة الاستقرار، فهما مساحة هشّة، لا أحد يملك ضمان نهاياتها. الوعود شيء، والالتزام شيء آخر، وما تمليه الظروف شأن مختلف.

تُذكّرنا الرواية بأن لكل اختيار ثمنه، وغالبًا ما يكون الثمن باهظًا حين تكون الحرية هي الغاية. فالإنسان، في نهاية المطاف، ما يسعى إليه، لا ما يُملى عليه. والنهايات — كما تعلّمنا الحكايات — ليست دائمًا ما خطّطنا له.

أديبة  لبنانية