«تحت العنبة» رواية للأديبة منى عبد الراضى … حينما يصبح البيت وطنًا للذكريات

على الشوكى
 «تحت العنبة» رواية  للأديبة منى عبد الراضى … حينما يصبح البيت وطنًا للذكريات

صدرت حديثًا من المطابع رواية الأديبة والصحافية منى عبد الراضى «تحت العنبة»، عمل سردي يستلهم وحي قصة حقيقية، ويمتد زمنيًا من ثلاثينيات القرن الماضي حتى ثمانينياته، كاشفًا عبر مصائر شخصياته المتشابكة عن سيرة وطن عربي يتشظّى، ثم يُعاد بناؤه في الذاكرة والبيوت والقلوب.

منذ الغلاف، تفرض الرواية عالمها البصري بوصفه مدخلًا دلاليًا للنص؛ إذ تتوسط المشهد شجرة عنب وارفة تتدلّى عناقيدها فوق لَمّة عائلية حميمية، في فناء بيت قديم ذي طابع شرقي. الضوء الدافئ، وجلسة النساء والأطفال، والفرن، وأكواب الشاي، كلها عناصر تحيل إلى معنى الاستقرار والطمأنينة، في مقابل ما يخفيه النص من اقتلاع وفقد وهدم. الغلاف لا يزيّن الرواية بقدر ما يختصر ثيمتها المركزية: البيت بوصفه وطنًا مؤقتًا، وشجرة العنب بوصفها ذاكرة جماعية شاهدة على التحولات والانكسارات.

تبدأ الرواية مع صلاح، التاجر المصري ذي الأصول الصعيدية، الذي يشدّ الرحال إلى يافا في فلسطين، حيث يبني بيتًا، ويتزوج، وينجب، ويزرع شجرة عنب تصبح علامة على اكتمال الحلم. لكن الاحتلال يقتحم هذا الاستقرار، فيُسلب البيت، وتُنهب الذاكرة، وتتحول الحياة إلى مسار من التنقّل القسري بين فلسطين وشرق الأردن ومصر. ينخرط صلاح في المقاومة، بينما يكبر ابنه ياسين ليختار الطريق ذاته سرًا، متنقلًا بين يافا والقدس وحدود مصر، حتى تنتهي رحلته بالموت.

تضرب المأساة العائلة مرة أخرى حين ينهار البيت في الأردن إثر زلزال، وتُدفن الزوجة فاطمة تحت أنقاضه، لتغدو الأم رمزًا للفقد الأول، والبيت رمزًا للوطن المنهار. ومع تعاقب الأجيال، تنتقل الرواية إلى الجزء الثاني حيث تتصدر سعدية المشهد، حاملة إرث أمها وصلابتها، ومؤسسة لـ«وطن صغير» جديد: بيت بسور، وفرن خبز، وشجرة عنب، ولمة أولاد وأحفاد.

غير أن التاريخ، كما تقترح الرواية، لا يتوقف عن تكرار قسوته. فقرار إزالة البيت لبناء كوبري يُسقط شجرة العنب مرة أخرى، ويعيد طرح السؤال الجوهري الذي يتردد في ثنايا النص: أين الوطن؟. لكن الإجابة لا تأتي في صيغة خطابية، بل في فعل يومي بسيط؛ حين تبدأ سعدية من جديد، تشتري أرضًا، تبني فرنًا، ويغرس ابنها شجرة عنب أخرى، لتؤكد الرواية في خاتمتها أن الوطن قد يُهدم، لكنه لا يُمحى، بل يُعاد زرعه.

بهذا المعنى، تقدم «تحت العِنَبَة» رواية عن الذاكرة والمقاومة والصبر، وعن النساء بوصفهن حارسات الاستمرار، وعن البيوت التي تتحول إلى أوطان بديلة، وعن شجرة واحدة تصمد في مواجهة الزمن، لتشهد أن الحكاية لم تنتهِ بعد.
رواية لا تكتفي بسرد التاريخ، بل تعيد إنسانيته إلى الواجهة، وتمنح القارئ عملًا يقرأ الماضي بوجدان الحاضر، ويزرع الأمل في مستقبل لا يزال ممكنًا.